اوراق مختارة

التراث الثقافي الإيراني في مرمى الحرب

post-img

محمود منير/العربي الجديد

قبل يومين من بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، نفت مصادر رسمية إيرانية إشاعات تداولتها وسائلُ إعلامٍ حول نقل مقتنيات قصر نيافاران التاريخي، في شمال طهران، لحمايتها من حرب محتملة. وأوضح مدير الموقع شاهرود أمير انتخابي، أن متحف القصر سيستقبل الزوّار في عيد الفطر المقبل، بعد مضي أسابيع على افتتاح الحديقة المحيطة به، وهو ما ينطبق على مواقع أخرى كانت قيد الترميم والصيانة.

عكست هذه التصريحات التي نقلتها وكالة فارس، استبعاد المسؤولين الإيرانيين إمكانية قصف أماكن تراثية، في موقف يستند غالبًا إلى طبيعة الضربات الإسرائيلية على بلادهم في يونيو/ حزيران 2025 التي اقتصرت معظمها على أهداف عسكرية، وربما لعدم توقعهم اندلاع مواجهة في وقت لا تزال فيه المفاوضات مع واشنطن مستمرة في ظلّ أجواء من التفاؤل والترقب.

في ثالث أيام العدوان، نشرت الحكومة الإيرانية على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا تُظهر الأضرار التي لحقت بقصر جولستان في ساحة أراج بطهران، المُدرج في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، ترافقت مع بيانٍ لمدير مجمع القصر الذي يعود بناؤه إلى القرن الخامس عشر، يؤكد أن أضرارًا جسيمة لحقت بـ"الزخارف المعمارية، ولا سيما العناصر الخشبية، بما في ذلك الأبواب والنوافذ والقوالب الزخرفية". ولم يتم تقييم الخسائر حتى الآن في انتظار انتهاء الحرب.

تهديدات سابقة لترامب

اللافت في بيان المسؤول الإيراني قوله إنه "بعد حرب الأيام الاثني عشر، جُمعت القطع الأثرية من القصر ونُقلت إلى مخازن آمنة، ولم يلحق بها أي ضرر". لكن ذلك لم يحصل هذه المرة رغم أن تهديدات سابقة أطلقها الرئيس الأميركي باستهداف التراث الإيراني. وهي التهديدات التي يستعيدها الباحث الإيراني المقيم في الولايات المتحدة كورش زياباري في مقال نشرته مجلة "نيو لاينز مغازين" الأميركية، الثلاثاء الماضي، مُوردًا ما كتبه ترامب في ولايته الأولى ضمن سلسلة تغريدات على منصة X "ليكن هذا بمثابة تحذير، إذا هاجمت إيران أميركيين أو مصالح أميركية، فإننا سنستهدف 52 موقعًا إيرانيًا (وهو عدد الرهائن الأميركيين الذين احتجزتهم إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979)، بعضها على مستوى عالٍ جدًا وذي أهمية بالغة لإيران وللثقافة الإيرانية".

على الرغم من تأكيدات وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، أن واشنطن ستتصرف "وفقًا للقانون"، واصل ترامب تهديداته في حديث صحافي عام 2020، جاء فيه "يُسمح لهم بقتل شعبنا. يُسمح لهم بتعذيب شعبنا وتشويهه... ولا يُسمح لنا بالمساس بمواقعهم الثقافية؟ هذا غير منطقي".

لم تصدر حتى اللحظة تعليقات من مسؤولين في الإدارة الأميركية توضّح أسباب قصف قصر جولستان، أو تنفي نيتهم باستهداف مواقع تراثية أخرى. في المقابل، ذكّرت تقارير صحافية بأن إسرائيل؛ الطرف الآخر المشارك في العدوان على إيران، دمّرت أكثر من مئتي موقع أثري في غزّة تشكّل نحو ثلثي المواقع في القطاع، بينما تعرضت عشرات القطع الأثرية النادرة للسرقة.

 إدانات أميركية

دعت اللجنة الوطنية الأميركية للدرع الأزرق، (USCBS)، وهي منظمة دولية مستقلة تعمل على حماية التراث الثقافي العالمي المهدد بالكوارث الطبيعية والحروب، في بيان صدر الأربعاء الماضي، إلى الامتناع عن توجيه هجمات ضد الممتلكات الثقافية، وتجنب استخدام المواقع الثقافية لأغراض عسكرية. وعبّر البيان عن انزعاجه الشديد إزاء تصريح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في 2 مارس/آذار 2026، والذي جاء فيه: "إن أميركا، بغض النظر عما تسمى بالمؤسسات الدولية، تشن حملة جوية هي الأكثر فتكًا ودقة في التاريخ... كل ذلك وفقًا لشروطنا وبأقصى قدر من الصلاحيات. لا قواعد اشتباك حمقاء".

لكن بيان اليونسكو لم يتضمّن الإدانة ذاتها، واكتفى بالإعراب عن قلقها مما جرى، مؤكدةً أنها تتابع الوضع من كثب لضمان حماية التراث الثقافي في إيران والمنطقة. موقف استنكرته صحف إيرانية في إشارة إلى ضرورة أن تتخذ المنظمة الدولية موقفًا أشدّ حسمًا في تحميل المسؤولية للطرف الأميركي، بينما دعا المدير العام لمكتب تسجيل الآثار التاريخية في البلاد علي رضا إيزدي إلى إرسال فريق خبراء مستقل بشكل فوري للوقوف على الأضرار التي لحقت بجولستان، وتفعيل آليات دعم التراث العالمي.

في انتظار صدور بيانات إدانة دولية في حال استهداف مزيد من الآثار في الأيام المقبلة، لا يمكن التنبؤ بتأثير ذلك على مواقف المعارضة الإيرانية، خاصة المؤيدة منها للعدوان، وإن كان هذا الملف سيأخذ أبعادًا سياسية نظرًا إلى رمزية الأماكن المستهدفة وتمثيلها لحضارة تمتدّ لأكثر من ثلاثة آلاف عام، منذ الإمبراطورية الميدية وحتى اليوم.

المرتبة العاشرة عالميًا

أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، في نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، أن إيران تحتل المرتبة العاشرة عالميًا على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بـ 29 موقعًا ثقافيًا وتاريخيًا مسجلًا. تشمل هذه المواقع المجمعات الرهبانية الأرمنية في محافظة أذربيجان الغربية، ومدينة بام التي تعود إلى الحقبة الصفوية، وتضم أكبر مبنى طيني في العالم، بالإضافة إلى أكبر قبة من الطوب في العالم في سلطانية بمحافظة زنجان، وتَخْتِ جَمْشيد "برسيبوليس" بالقرب من مدينة شيراز؛ عاصمة الإمبراطورية الأخمينية، ونقش بيستون في محافظة كرمنشاه الذي يضمّ تماثيل منحوتة على الصخر من زمن الملك داريوش الأول الأخميني، وغيرها.

كانت الحكومة الإيرانية  قد أغلقت جميع المتاحف في البلاد مؤقتًا بالتزامن مع بدء الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في الثامن والعشرين من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، ونُقلت القطع الأثرية إلى المخازن وفقًا للبروتوكولات الأمنية؛ إلا أن وزارة التراث الثقافي أعلنت قبل أيام قليلة من بدء العدوان إعادة فتح جميع المتاحف مع اقتراب الاحتفالات بعيد النوروز في الحادي والعشرين من الشهر الجاري.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد