اوراق مختارة

المقاومة في مواجهة الحرب الوجودية

post-img

لولا إبراهيم/جريدة الأخبار

بدأت الحرب الكونية الإمبريالية على إيران؛ فهي اليوم في مواجهة العالم الإمبريالي الغربي وأعوانه في المنطقة بأسرها. مشاهد قصف إيران لعمق الكيان الصهيوني، وللقواعد الأميركية في محميات الخليج، حيث يفبرك الأميركيون حروبهم على المنطقة بأسرها، شكّلت بصراحة أحد أبرز مشاهد المقاومة بعد مشاهد العبور في عملية "طوفان الأقصى" المجيد. هذا المشهد، بأهميته ودلالاته، يجب التوقف عنده مليًّا، لما يحمله من أبعاد سياسية وعسكرية، ورسائل تتجاوز اللحظة الراهنة إلى ما هو أعمق في طبيعة الحرب الإبادية القائمة.

لماذا اختارت إيران ضرب هذه القواعد بالتوازي مع ضرب الكيان؟ عسكريًا، يكشف ذلك عن تفوّق استخباراتي واضح، إذ إن إيران تعلم بوجود هذه القواعد وطبيعة عملها بدقة، وبمشاركتها وتواطئها مع الحلف الأميركي الصهيوني في الحرب عليها. إذًا، هذه القواعد تُستعمل لضرب إيران، وبالتالي فهي هدف مشروع لضربها حمايةً للنفس ودفاعًا عنها. إن من يسمح باستخدام أرضه والمنشآت العسكرية الموجودة فيه لشن عدوان على دولٍ أخرى، يتحمّل تبعات تحوّلها إلى جزء من ساحة المواجهة.

سياسيًا، جاءت الضربات الإيرانية لمواجهة تطبيع محميات الخليج مع الكيان الصهيوني، حيث جُنّدت أراضي هذه المحميات، عبر القواعد العسكرية الأميركية، لخدمة مصالح الصهاينة وشن حروب على إيران والمنطقة. وليس هذا بالأمر الجديد؛ فقد استُخدمت هذه القواعد أيضًا في العدوان والإبادة على غزة، سواء عبر الدعم اللوجستي أو التسهيلات العسكرية، واليوم عبر شن هجمات على إيران. من هنا، فإن ما جرى لم يكن مجرد عمل عسكري، بل كشف سياسي وأخلاقي لحقيقة الأدوار التي تؤديها أنظمة محميات الخليج.

تمثّل هذه الحرب فضحًا جديدًا للمشروع الصهيوني في المنطقة؛ فسرعان ما بدأت الحرب الصهيوأميركية على إيران، وعلت الأصوات الصهيونية التي تتحدث عن الدولة القادمة التي سيُشنّون الحرب عليها، في إشارة واضحة إلى طبيعة المشروع التوسعي الذي لا يكتفي بحدود، ويرفض وجود أي قوة رافضة له.

انطلاقًا من ذلك، تشكّل الحرب الحالية على إيران لحظة انكشاف لحقيقة الأنظمة العربية أمام شعوبها، وفرصة للتمرد عليها واستعادة الكرامة. حينها تشكّل هذه الحرب فرصة لتوحيد جميع قوى وجماهير المقاومة في وجه الهجمة الإمبريالية الكولونيالية الشرسة، التي يستهدف خطابها القضاء على "المحور الراديكالي الشيعي" أولًا، ثم "المحور الراديكالي السني" لاحقًا، كما صرّح رئيس وزراء الكيان الصهيوني جهارًا منذ بضعة أيام. في الحقيقة، هي هجوم شرس على كل مشروع مقاومة يقف في وجه الاحتلال الاستيطاني الكولونيالي الصهيوني في المنطقة بأكملها، بما فيه المقاومة في لبنان.

انخرطت المقاومة وهبّت للدفاع عن الوطن ضد القتل اليومي، والاعتداءات اليومية، والدمار والنسف الذي يتعرض له لبنان منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا

بناءً على ذلك، كان من الطبيعي، كواجب وطني وأخلاقي وتاريخي، أن ينخرط حزب الله في المعركة المفروضة عليه وعلى كل اللبنانيين، وعلى كل أحرار المنطقة، منذ أكثر من سنتين، بل منذ تأسيس هذا الكيان الصهيوني المجرم. فالمواجهة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لصراع طويل تراكمت فيه الاعتداءات والحروب والتهديدات.

في حين انخرطت المقاومة وهبّت للدفاع عن الوطن ضد القتل اليومي، والاعتداءات اليومية، والدمار والنسف الذي يتعرض له لبنان منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا، جاء موقف السلطة اللبنانية تجاه المقاومة إنجازًا لوظيفتها كحكومة وصاية أميركية. فبدلًا من التعامل مع المقاومة باعتبارها جزءًا من منظومة الدفاع الوطني في مواجهة العدوان، اختارت اتخاذ إجراءات تضعها في موقع التصادم معها. هذا السلوك، في ظل حرب مفتوحة، يشعل فتنة أهلية كامنة، ويهدد السلم الداخلي في لبنان، ويضع البلاد على حافة انقسام خطير.

إنّ وضع الجيش اللبناني في هذا الموقف الحرج، بين واجبه الوطني في حماية الأرض والشعب وبين الضغوط السياسية الخارجية، هو في ذاته مسألة بالغة الحساسية. فالجيش، كمؤسسة وطنية جامعة، يجب أن يوجّه بندقيته بوجه العدو وعدم الزجّ به في صراعات داخلية تخدم العدو. أما الوصول إلى حدّ وضعه في مواجهة المقاومة، أو إقامة حواجز ميدانية بهدف مراقبة أو منع المدنيين والمقاومين من الوصول إلى الجنوب، فهذه سابقة خطيرة ومشبوهة، هدفها الواضح جرّ الجيش إلى مواجهة مع المقاومة، وتحقيق ما يريده الاحتلال وأتباعه من آل سعود، عبر تفجير الساحة اللبنانية من الداخل بعد عجزهم عن كسرها من الخارج.

إنّ مثل هذه الخطوات لا يمكن قراءتها إلا في سياق محاولة إنتاج الانقسام الأهلي، وضرب معادلة التكامل بين الجيش والشعب والمقاومة، التي طالما شكّلت عنصر قوة للبنان في مواجهة العدوان. غير أن المقاومة أثبتت في أكثر من محطة أنها أذكى وأحكم من أن تنجرّ إلى مثل هذه الانزلاقات، وأنها تدرك أن أي صدام داخلي هو خدمة مجانية للعدو.

إن حكومة وصاية أعلنت بالأمس، علنًا أو ضمنًا، أنها تعمل وفق إملاءات الكيان الصهيوني وتنفّذ مخططاته، ولا سيما بإعطاء أمر للجيش بالانسحاب من مواقع عسكرية حساسة، تتحمّل مسؤولية تاريخية أمام الشعب اللبناني. فالانسحاب من مواقع استراتيجية في لحظة مواجهة إقليمية لا يمكن تفسيره إلا كخطوة تصبّ في خدمة مشروع إضعاف لبنان وتعريته دفاعيًا. وهذا المسار، إن استمر، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانكشاف الأمني والسياسي.

المستغرب هنا ليس دخول حزب الله في المعركة، بل عدم انخراط القوى الوطنية المناهضة للإمبريالية جميعها فيها حتى الآن. إن هذه الحرب وجودية، أطلقتها قوى الإمبريالية الغربية على منطقتنا، وإن لم نتصدَّ لها فسوف تُبيدنا جميعًا. إن اعتبار الانخراط فيها خطًا أو مغامرةً هو خطأ تاريخي واستراتيجي فادح. الظروف الراهنة تفرض على هذه القوى أن تنخرط جميعها عمليًا على الأرض ضمن صفوف المقاومة، بما يمنحها شرعية المشاركة في التصويب والتصحيح إذا ما استدعى الأمر. وأي موقف آخر ليس إلا إضعافًا للمقاومة في لحظة تحتاج فيها إلى كل طاقة، وسحبًا للشرعية عنها، الأمر الذي يخدم العدو الصهيوني فقط.

الحرب الحالية وجودية على كل دول وشعوب منطقتنا، وخطر على الأمن القومي لكل دول المنطقة. إنها لحظة اختبار تاريخي، لا مكان فيها للانتقاد أو الرمادية أو الانتظار. واجب القوى الوطنية والمناهضة للحلف الصهيوأميركي هو الانخراط في هذه المواجهة الوجودية بكل السبل والقدرات الممكنة، كواجب وطني للدفاع عن الشعب والأرض والكرامة الوطنية والإنسانية، وحماية حق شعوبنا في الوجود وتقرير المصير، والتحرر من الاحتلال الاستيطاني الكولونيالي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد