أوراق ثقافية

وفاة الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيش صاحب "ذاكرة الجحيم"

post-img

عندما منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب في العام 1998 للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، طُرح في البرتغال سؤال يشير إلى حضور روائي آخر في المشهد الأدبي الأوروبي: لماذا ساراماغو وليس أنطونيو لوبو أنتونيش؟ لم يكن هذا السؤال مقارنة بين اسمين في الأدب البرتغالي بقدر ما مثل إدراكًا متناميا منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين بأن صوتًا سرديًا مختلفًا يتشكل، صوتٌ يحوّل الذاكرة والمعاناة والتاريخ إلى مادة فكرية ممتدة عبر الزمن. ومع وفاة أنطونيو لوبو أنتونيش في لشبونة يوم أمس الخميس، 5 مارس/آذار، عن ثلاثة وثمانين عامًا، يكتمل مشهد هذا الحضور الذي امتد لأزيد من أربعة عقود.

في العالم العربي، تدرجت ترجمة أعمال أنتونيش إلى مرحلة من الانسجام مع مشروعه الروائي. منذ صدور الترجمات الأولى في بدايات العقد الثاني من الألفية الثالثة، استهلّ القارئ العربي تعرّفه على نصوصه بأعمال مثل "إستُ يهوذا" و"شرح الطيور"، التي نقلت أسلوبه في نسق السرد المتداخل، ثم جاء إصدار "معرفة الجحيم"، ترجمة سعيد بنعبد الواحد، العام الماضي (منشورات الجمل بيروت 2025) كترجمة أحدث تمثّل أحد أهم نصوصه المتاحة بالعربية. في هذه الرواية، التي تعتمد على صوت راوٍ يعود من الحرب الاستعمارية في أنغولا، يتجلى عنصر الحرب بوصفه ظلًا دائمًا في علاقة الفرد بالمجتمع وبذاكرته، وتبرز لغة السرد ليس بوصفه وظيفة مجردة تلحق الأحداث، وإنما آلية لفهم تداخل الواقع بالذاكرة، ومكان الفرد ضمن سياق تاريخي أوسع.

انطلق مشروع أنطونيو لوبو أنتونيش الأدبي في عام 1979 بنشره اثنتين من أهم رواياته المبكرة: "مُذكرات فيل" و"دبر يهوذا" في السنة نفسها. في "مُذكرات فيل" تنفتح الرواية على رؤية ذاتية مكثفة، تعتمد على ما يمكن أن نطلق عليه سردًا داخليًا متدفقًا، إذ تتشابك الذاكرة الشخصية مع التجربة الحسية للحرب والعودة منها، وتنبثق اللغة بوصفها فضاءً لتسجيل هذه التجربة المتداخلة. في "دبر يهوذا" تتشظّى هذه الذاكرة إلى مستويات أكثر حضورًا، إذ تتحول الحرب في أنغولا إلى خلفية سردية مركزية تُمتحن فيها معاني الوجود والهوية، وتتحوّل اللغة إلى آلية مسائلة تتحاور مع ألم الذاكرة وتفكيكها.

مع نهاية الثمانينيات والدخول إلى تسعينيات القرن الماضي، بدأ أنتونيش في توسيع مشروعه الروائي نحو ما يمكن تسميته ذاكرة مجتمعية وسياسية، دون أن يتخلى عن الأسلوب السردي الذي كرسه. في نصوص مثل "فادو ألكسندرّينو" و"النظام الطبيعي للأشياء"، تظهر الروابط بين التجربة الفردية والتحولات التاريخية للمجتمع البرتغالي بعد سقوط الديكتاتورية. الرواية هنا شبكة من الأصوات والذكريات التي تعكس علاقات الإنسان بمجتمعه وتاريخه، وتطرح أسئلة عن كيفية تشكّل العلاقات بين السياسة والثقافة والهوية. في أعمال لاحقة مثل "أنا اسمي ليجيون" و"أمس لم أرَك في بابِلونيا" يتعاظم حضور تعدد الأصوات وتداخلها، بحيث تصبح الرواية بنية تنسجم فيها الذاكرة الفردية مع البعد الجماعي.

في المرحلة الأكثر نضجًا من كتابته، اتجهت رؤيته نحو تفكيك الزمن نفسه في السرد، باعتباره شبكة من الذكريات التي تتفاعل مع الحاضر في علاقة دائمة الانتقال.

في روايته الأخيرة (2022) بعنوان "حجم العالم"، يستخدم أربعة أصوات سردية لتقديم قراءة متعددة الأبعاد عن الذات والعلاقة بالمكان والزمن. من منظور رجل أعمال مسنّ يقف في منزله في لشبونة ويتأمل الضفة المقابلة من نهر التاجة، يفيض النص بتفاصيل عن ذكريات طفولة بسيطة، علاقة بالابنة والعشيقة، وحكايات تتداخل فيها الأجيال وتترابط فيها المشاهد الحسية. هذا التداخل بين الأصوات يعطي الرواية بعدًا آخر في فهم العلاقة بين الذات والذاكرة، بحيث يصبح المكان والزمن موضوعين متواصلين لا يفصل بينهما خط زمني واضح.

في هذه الرواية يظهر أيضًا الأسلوب الذي رسّخه أنتونيش في كتاباته المتأخرة؛ اللغة بوصفها مساحة تفكير والذاكرة طاقةً لإعادة صياغة الذات داخل النص، إذ لا تقف الرواية عند سرد حدث، متجاوزة ذلك إلى إبراز العلاقات الداخلية بين عناصر الوجود والسياق الاجتماعي الذي ينتمي إليه الراوي وشخصياته.

على امتداد أكثر من أربعين سنة، كتب أنطونيو لوبو أنتونيش أكثر من ثلاثين رواية ومجموعة سردية ترجمت إلى عشرات اللغات، ونالت أعماله حضورًا نقديًا في العديد من الثقافات. في مسيرته حصل على جوائز مرموقة، من بينها جائزة "كامويش"، "كامويس" التي تمثل أعلى تكريم في الأدب الناطق بالبرتغالية، كما كرّمته عدة مؤسسات أكاديمية وثقافية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. وقد ظل اسمه متكررًا مرشحًا للجائزة الكبرى في الأدب العالمي على مدى سنوات، إقرارًا بمساحة كتابته التي ترى في الذاكرة مادة سردية تتشابك مع فهم الحاضر والمستقبل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد