اوراق خاصة

بين السردية والقدرة .. ما الذي يحدث الآن؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في الحروب الحديثة لا يكون السؤال الأول: ماذا حدث في الميدان، بل ما الذي قيل إنه حدث؟

قبل أن تتضح نتائج العمليات العسكرية يبدأ بناء السردية التي ستفسر الحرب وتحدد معناها. هذه السردية لا تُصاغ عشوائيا، إنما تُبنى بعناية داخل منظومة إعلامية وسياسية تدرك أن السيطرة على الوعي جزء أساسي من السيطرة على الواقع.

في الأيام الأولى للحرب؛ ظهرت بسرعةٍ روايةٌ شبه مكتملةٍ في الصحافة الأمريكية والعبرية. رواية تقوم على عنصرين متلازمين: الاختراق الشامل والضربة الحاسمة. اختراقٌ للدوائر الضيقة للكاميرات للاتصالات  للحراسة، ثم عمليةٌ دقيقةٌ تنتهي باغتيال الشخصية المركزية في المشهد. الصيغة بدت كما لو أنها مأخوذةٌ من سيناريو سينمائي أكثر مما مأخوذ من تقريرٍ عسكريٍ.

هذه الطريقة في بناء الرواية ليست استثناءً. في معظم الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة أو دعمها حلفاؤها يظهر نمطٌ دعائيٌ ثابتٌ يقوم على فكرة التفوق المطلق. الخصم، في هذه الرواية، يبدو مكشوفا بالكامل منظوماته معروفةٌ تحركاته مرصودةٌ وأسراره قابلةٌ للاختراق في أي لحظةٍ. في المقابل؛ يظهر الطرف الأمريكي أو الإسرائيلي بوصفه يمتلك قدرةً شبه كليةٍ على المعرفة والسيطرة.

هذا النمط يرتبط بما تسميه الأدبيات العسكرية إدارةَ الإدراك، أي توجيه تصور الجمهور عن ميزان القوى قبل أن تتضح نتائجه الفعلية. إذ إن الحرب، في عصر الإعلام، ليست فقط صراعًا على الأرض، هي صراع على تفسير ما يجري فوقها.

لكن المشكلة أن هذه السردية غالبًا ما تصطدم سريعا بواقعٍ أكثر تعقيدًا. إذ إن الحروب لا تُحسم عادةً بضربةٍ واحدةٍ؛ مهما بلغت دقتها. التاريخ العسكري الحديث يوضح أن الاغتيالات أو الضربات النوعية قد تكون إنجازًا استخباريًا مهمًا، لكنها لا تعني بالضرورة انهيارَ البنية التي ينتمي إليها الهدف.

اغتيال قاسم سليماني في بغداد، في العام 2020، كان ضربةً دقيقةً ومعقدةً، وقد قُدمت في الإعلام كونها اختراقًا استخباريًا كبيرًا. لكن الشبكات العسكرية والسياسية المرتبطة بإيران في المنطقة لم تتفكك بعد العملية، بل استمرت في العمل ضمن البنية نفسها. السبب لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية، إنما بطبيعة البنية السياسية التي تنتج هذه القيادات.

في الأنظمة التي تقوم على فكرةٍ أيديولوجيةٍ أو مؤسساتيةٍ عميقةٍ لا تكون القيادة مجرد فردٍ يمكن استبداله بسهولة، بل حلقةٌ في منظومةٍ أوسع. اغتيال الحلقة قد يحدث صدمةً، لكنه قد يحول الشخصية المستهدفة أيضا إلى رمزٍ تعبويٍ يزيد من تماسك المنظومة بدلاً من تفكيكها. لهذا؛ فإن السؤال الحقيقي في مثل هذه الحالات لا يتعلق بلحظة الاغتيال نفسها، بل بما يحدث بعدها.

إذا كانت الضربة قد أصابت بالفعل البنية العميقة للقدرة العسكرية، فمن المتوقع أن تظهر آثارها بسرعةٍ. تتراجع العمليات، يختفي التنسيق، وتظهر علاماتُ الارتباك داخل المؤسسات العسكرية. أما إذا استمرت العمليات بوتيرةٍ قريبةٍ من السابق، فإن ذلك يعني أن الضربة،  مع رمزيتها، لم تمس جوهر القدرة العملياتية.

في الحرب الحالية؛ تظهر فجوةٌ واضحةٌ بين الرواية الإعلامية وبين مؤشرات الواقع. في الوقت الذي يقال فيه إن القدرات الصاروخية أو البحرية قد تعرضت لتدميرٍ واسعٍ، تستمر الهجمات الصاروخية وتظهر اضطراباتٌ متكررةٌ في حركة الملاحة في الخليج.

هذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن تلك القدرات لم تتضرر، لكنها تعني أن الصورة التي رُسمت عن انهيارها الكامل؛ ربما كانت مبالغا فيها. في التحليل العسكري لا يُقاس تأثير الضربات فقط بحجم الدمار المباشر، إنما بقدرة الطرف الآخر على التكيف مع هذا الدمار.

كثيرٌ من الجيوش أو التنظيمات العسكرية يطور ما يسمى التكيف العملياتي، أي تعديل نمط القتال؛ حيث يمكن الاستمرار في العمليات على الرغم من الخسائر. هذا قد يشمل تقليل وتيرة الإطلاق وتوزيع المنصات أو تغيير نمط الأهداف. لذلك؛ فإن انخفاض كثافة الصواريخ مثلا لا يعني بالضرورة تدمير المنظومة، قد يكون جزءًا من تكتيكٍ مضادٍ يستجيب لتكتيكٍ دفاعيٍ عند الخصم.

في حرب لبنان 2006؛ استمر إطلاق الصواريخ حتى الأيام الأخيرة من الحرب؛ على الرغم من القصف الجوي المكثف. لم يكن ذلك دليلاً على أن البنية العسكرية لم تتضرر، كانت دليلاً على أن هذه البنية صُممت أساسًا لتحمل الضربات والاستمرار تحت الضغط.

هذا يقود إلى نقطةٍ أعمق تتعلق بطبيعة الحروب التي تخوضها إيران منذ عقود. الدولة التي خضعت لعقوباتٍ وضغوطٍ مستمرةٍ منذ الثورة الإيرانية، في العام 1979، اضطرت إلى تطوير نموذجٍ عسكريٍ مختلفٍ عن الجيوش التقليدية. هذا النموذج يعتمد على توزيع القدرة والاعتماد على شبكاتٍ متعددةٍ بدلاً من منظومةٍ مركزيةٍ يسهل شلها بضربةٍ واحدةٍ.

في مثل هذا النموذج لا يكون تدمير جزءٍ من القدرة العسكرية كافيًا لإيقاف المنظومة كلها. إذ إن المنظومة نفسها مبنيةٌ على افتراضٍ أنها ستتعرض للضرب وعليها أن تستمر على الرغم من ذلك.

في المقابل؛ لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تمتلكان تفوقا تكنولوجيا واستخباريا واضحا. هذا التفوق تراكم عبر عقودٍ طويلةٍ من الاستثمار في الأقمار الصناعية والاستخبارات الإلكترونية والطائرات المسيرة.

لكن التفوق التكنولوجي لا يعني السيطرة المطلقة على ساحة الحرب. إذ إن التاريخ الحديث يبيّن أن الفاعلين الذين يعملون تحت ضغطٍ مستمرٍ يطورون أشكالاً مختلفةً من الصمود العملياتي تجعل الحسم السريع أمرًا نادرًا.

لذلك؛ يصبح من الخطأ الوقوع في أحد تفسيرين متطرفين. التفسير الأول هو الرواية الدعائية التي تفترض أن الضربة الأولى حسمت المعركة، وأن انهيار الخصم مسألة وقتٍ قصيرٍ. التفسير الثاني هو الرواية المعاكسة التي تفترض أن استمرار العمليات يعني أن الضربات لم تحقق أي تأثير.

في الحقيقة، الأمر أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه. إذ إن الحروب الكبرى تتحول بسرعةٍ إلى حروب استنزافٍ، حيث تتراكم الضربات والردود من دون أن يظهر حسمٌ سريعٌ. في هذا النوع من الحروب لا يكون السؤال من أصاب الضربة الأقوى في البداية، إنما من يستطيع الاستمرار أطول؟

في النهاية، ما تكشفه هذه الحرب مرةً أخرى هو أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط بين الجيوش، هي بين الروايات التي تحاول تفسير ما يحدث. الإعلام يحاول أن يسبق الواقع، والسياسة تحاول أن توظف الصورة قبل أن يتضح ميزان القوة. لكن الزمن وحده هو الذي يكشف الفرق بين السردية والقدرة. إذ إن الحروب لا تُحسم في البيانات الأولى، ولا في القصص التي تشبه الأفلام، بل في قدرة الأطراف على الصمود عندما يطول الزمن ويتحول الصراع إلى اختبارٍ قاسٍ للإرادة قبل أن يكون اختبارا للسلاح.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد