زينب حمود (صحيفة الأخبار)
صعّد العدو الإسرائيلي أمس حربه على الطواقم الإسعافية والإنقاذية، باستهدافه مراكز الدفاع المدني للهيئة الصحية الإسلامية في زفتا وطيردبا وجويا في الجنوب. وكانت الهيئة قد قدّمت منذ بداية العدوان الحالي (حتى كتابة هذه السطور) 15 شهيداً و30 جريحاً، فيما استشهد مسعف وأصيب ستة من الدفاع المدني التابع لكشافة الرسالة الإسلامية، عدا تضرر مراكز جراء قصف مجاور في قرى عدة. كما أصيب مسعفان من الصليب الأحمر اللبناني في غارة إسرائيلية على سيارة إسعاف في مجدل زون الجنوبية.
لا تؤشر هذه الاستهدافات على نمط جديد، إذ طغت مثيلاتها على حرب الـ66 يوماً عام 2024، ما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى، إضافة إلى الخسائر المادية. وفي ظلّ إهمال الحكومة لذلك، يقول رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة في الدفاع المدني التابع لكشافة الرسالة، حسين علوية، إن المطلوب «الضغط عبر المنظمات الدولية (مثل الصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة) لإلزام كافة الأطراف باحترام القانون الدولي الإنساني، الذي يمنح حصانة مطلقة لفرق الإغاثة والمسعفين، وتوثيق كل اعتداء بالصوت والصورة لرفع دعاوى قضائية في المحافل الدولية».
فهذا الإهمال الرسمي «يُفرعِن» العدو أكثر، ويدفع نحو استسهاله خرق القوانين الدولية، ومواصلة الاعتداء على المسعفين في الحرب الحالية. وإذا ما استمر من دون تحرك عاجل وجدّي، فلن تكون حياة المسعفين فقط في خطر، بل جميع المصابين والجرحى في الحرب، نتيجة عرقلة الوصول إليهم وتعطيل عملية التدخل والإسعاف.
إذاً، التحدي الأول والأكبر أمام العاملين في القطاع الإسعافي والإنقاذي هو الواقع الأمني. فـ«الدفاع المدني، عناصر وآليات ومراكز، يواجه خطر الاستهداف المباشر من العدو»، علماً أن هؤلاء «غير مزودين بمعدات للحماية الشخصية، كما تنقصهم أجهزة التنفس»، يوضح علوية.
في السياق نفسه، يشدد الصليب الأحمر اللبناني على أن «الهمّ الكبير يبقى تأمين حماية الطواقم أثناء تنفيذ مهامها، ولا سيما في المناطق الحدودية في الجنوب، عبر التواصل مع قوات اليونيفل والتنسيق مع الجيش اللبناني واللجنة الدولية للصليب الأحمر وأحياناً السلطات المحلية».
هشاشة الدفاع المدني
أمس، وأثناء تفقد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار غرفة العمليات المركزية في المديرية العامة للدفاع المدني في مقرها الرئيسي في فرن الشباك، أعلن مديرها العام عماد خريش رفع جهوزية الدفاع المدني إلى نحو 80%، وانتشار نحو 700 عنصر في الجنوب، و900 عنصر في بيروت، إضافةً إلى نحو 650 عنصراً في بعلبك - الهرمل.
غير أن الواقع يظهر أن الجمعيات الأهلية في المناطق المستهدفة هي المستجيبة الأولى. وهي نتيجة تبدو طبيعة، فبعد مضي 15 شهراً على حرب 2024، وتواصل الاعتداءات والتهديدات بعدها، لم تسجل أي خطوة عملية لتجهيز الفرق الإسعافية والإنقاذية وتعزيز جاهزيتها للاستجابة إلى حالات الطوارئ، سواء لجهة الإمكانيات البشرية واللوجستية، أو تأمين حمايتها.
وقبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، سألت «الأخبار» خريش إن كان الجهاز قادراً على التصدي لحرب أو أي كارثة أخرى إن وقعت، فلم يُجب. كما لم يُجب على أي سؤال له علاقة بإمكانيات الدفاع المدني لجهة العناصر والتجهيزات والآليات. غير أنه تحدّث فقط عن «النقص في عدد المراكز الموزعة على مختلف الأراضي اللبنانية والتي تبلغ فقط 250 مركزاً»، مؤكداً أنها «غير كافية لتلبية حاجة جميع المناطق ولتعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة».
التحديات اللوجستية «تكربجنا»
وتكفي مراقبة استجابة الدفاع المدني للأزمات والكوارث لمعرفة مدى ضعفها وهشاشتها، ولا سيما في أثناء سقوط المباني في طرابلس، وترك العالقين تحت الأنقاض لمصيرهم، بسبب النقص في الآليات وبدائية المعدّات اللازمة لرفع الأنقاض والبحث عن العالقين تحتها.
ويشكو مصدر في الدفاع المدني من ضعف الإمكانيات اللوجستية الذي «يكربجنا»، مشيراً إلى أن «عدداً كبيراً من الآليات التابعة للمديرية أصبحت خارج الخدمة بسبب أعطال ميكانيكية وعدم توفر كلفة إصلاحها، وهي آليات بغالبيتها قديمة، والحال نفسها تنطبق على الأدوات والتجهيزات». واستمر إهمال «العمود الفقري» للبلاد في موازنة 2026، التي لم تلحظ زيادة على اعتمادات المديرية العامة للدفاع المدني التي تعيش على الهبات، ولا تثبيت للعناصر المتطوعة منذ 2012 في ملاك وزارة الداخلية والبلديات - المديرية العامة للدفاع المدني.
في المقابل، تحاول الجمعيات الأهلية سد الثغرات في مجال الإغاثة والإنقاذ، بما تملكه من قدرات، وخصوصاً الهيئة الصحية وكشافة الرسالة. ورغم المخاطر الكبيرة، تواصل الطواقم عملها في معظم المراكز في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بينما أجبرت على إخلاء بعضها في المناطق المصنفة شديدة الخطورة وإعادة التموضع. كما أضافت نقاطاً غير ثابتة على مداخل القرى والبلدات. ولا يقتصر دور طواقم الجمعيتين على المهام الإسعافية والإنقاذية التقليدية، بل «يتجاوزها ليصبح المسعف مدافعاً عن الحياة بكل معانيها، من إخلاء، مؤازرة المستشفيات والنقاط الطبية الميدانية، فتح الطرقات بعد وقوع الغارات ودعم صمود الأهالي في مختلف المناطق»، بحسب المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني في الهيئة الصحية، محمود كركي.
ضغط على العناصر والآليات
في السياق نفسه، أعلن الصليب الأحمر اللبناني في بداية الحرب، خطة استجابة تتضمن أربع غرف عمليات، و47 مركزاً ثابتاً وأربعة مراكز مؤقتة، ووضع 125 سيارة إسعاف من أصل 350 سيارة، و375 مسعفاً من أصل 5300 مسعف في التصرف. وحتى 5 آذار، نفذت طواقم الصليب الأحمر 427 مهمة إسعافية مرتبطة بالحرب من نقل مصابين وشهداء من الأرض إلى المستشفى، ومن مستشفى إلى آخر، أو إلى المنزل، إضافة إلى عمليات إخلاء لأشخاص من مناطق خطرة إلى مناطق آمنة، مع متابعة المهمات غير المرتبطة بالحرب. وبموازاة ذلك، قامت مراكز خدمات الدم بتوزيع 125 وحدة دم للمتأثرين بالحرب، عدا الخدمات الطبية الاجتماعية وتغطية مراكز الإيواء.
وعليه، ليس هناك أي تقصير في الاستجابة اليوم، لكن الطواقم الإسعافية والإنقاذية تمر بتحديات كبيرة ومتشعبة، تهدد مواصلة تأدية مهامها، إذا ما طالت الحرب، أو اشتدت حدتها. يتحدث كركي عن «تحديات استثنائية بكل المقاييس»، وهي «تحديات لوجستية، تبدأ من الضغط الكبير على عدد العناصر نتيجة الاستنفار المتواصل، وسيارات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء التي تعمل لساعات طويلة وفي ظروف خطرة، وبحاجة إلى صيانة دائمة وتجهيز، إلى الحاجة الدائمة للمعدات المتخصصة في عمليات الإنقاذ والبحث، عدا تحدٍ دائم يتمثل بتأمين الوقود والمستلزمات الطبية في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها البلد».