رماح إسماعيل (صحيفة الأخبار)
خرجت طرابلس من لائحة الأمكنة التي يفضّل النازحون التوجه إليها، هرباً من وطأة الحرب وصواريخها. هذه المدينة التي استقبلت في حرب الـ 66 يوماً مئات العائلات النازحة من الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، فتحت أبوابها اليوم على استحياء أمام العائلات التي اضطرت، بعد ساعات من بدء العدوان الإسرائيلي وأوامر الإخلاء، إلى ترك بيوتها والبحث عن مكان في «المناطق الآمنة» للجوء إليه.
عائلات قليلة اختارت طرابلس وجهةً لها. وبحسب من التقتهم «الأخبار»، كان السبب الأبرز ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، من مقاطع مصوّرة لأشخاص من المدينة، يعبّرون فيها عن عدم رغبتهم في استقبال النازحين، لاعتبارات سياسية وطائفية.
لكن، هذه الحالة لا يمكن تعميمها، رغم دورها السلبي في خلق صورة قاتمة عن المدينة في أذهان النازحين. فأهل طرابلس يعتبرون أن «مروّجي الكراهية» هم «حالات فردية يمثّلون آراءهم الشخصية وليس الرأي العام الطرابلسي تجاه إخوتهم المهجّرين من أهوال الحرب»، يقول منسّق الإغاثة في النجدة الشعبية في طرابلس، إيلي خوري، لـ«الأخبار».
ويضيف أن «فرق العمل الإغاثي في طرابلس تعمل بجدّ منذ بداية الحرب، بدءاً من المبادرات الفردية وصولاً إلى الجمعيات، لكنها تصطدم ببعض العوائق والضغوطات التي تحول دون إتمام عملها على أكمل وجه».
وهنا يشير خوري إلى «مضايقات» يتعرّض لها عاملون في الإغاثة. ويضرب مثلاً: «مركز الحزب الشيوعي في طرابلس يُستخدم لتوزيع الفرش، وأثناء العمل الإغاثي واجهنا مضايقات من قبل بعض سكان البناء الذي نتواجد فيه بغرض التوقّف عن استخدام المركز لهذه الغاية، والدولة غائبة تماماً عن حماية عمال الإغاثة والنازحين على حدّ سواء».
ويتحدّث أحد فرق الإغاثة عن عائلة «تمّ تفييشها» من قبل البلدية، قبل الموافقة على تأجيرها المنزل. ورغم الخضوع لهذا الإجراء، تعرّضت العائلة لضغوط من قبل لجنة البناء، دفعتها إلى الخروج من المنزل والعودة إلى بيروت.
تجنّب النازحين لطرابلس يؤكّده ناشطون كُثر في مجال الإغاثة لـ«الأخبار»، ويستدلون بأن عدد النازحين «ضئيل للغاية». في المقابل، يؤكد رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة لـ«الأخبار» أن «المدينة فتحت أبوابها على مصراعيها أمام النازحين من الجنوب وضاحية بيروت ابتداءً من الساعات الأولى لبدء موجة النزوح باتجاه الشمال»، موضحاً أن «المدارس فُتحت كمراكز إيواء وهي مؤمّنة من حيث احتياجات النازحين اليومية». وبعكس ما يرُوّج على وسائل التواصل الاجتماعي، لم ترصد بلدية طرابلس عودة أي نازح من المدينة إلى بيروت أو إلى أي منطقة آمنة أخرى.
بحسب كريمة، وصل 665 نازحاً حيث وزّعوا على 11 مدرسة رسمية بعد تحويلها إلى مراكز إيواء، علماً أن القدرة الاستيعابية لهذه المدارس تصل إلى 1490 شخصاً، ما يعني وجود فائض وقدرة لاستيعاب المزيد من النازحين.
أيضاً، محمد عباس، النازح إلى طرابلس، ينقل صورة مغايرة تماماً. يقول إن ما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي يختلف كثيراً عمّا يعيشه الناس على أرض الواقع. ويؤكّد أنه لم يسمع من الناس سوى كلمات الترحيب والدعم، مثل: «أنتم أهلنا، المنطقة منطقتكم، وأي شيء تحتاجون إليه فنحن في الخدمة». ويشير إلى أنه لمس المعاملة الطيبة من الجهات الرسمية في المدينة، مثل عناصر شرطة البلدية.
في الخلاصة، يُجمِع من تواصلت معهم «الأخبار» من فرق الإغاثة في طرابلس، على أن «حالة رفض استقبال النازحين فردية للغاية، ولا يمكن تعميمها على كل أهالي المدينة»، واصفين التعميم بـ«الظلم» للأهالي الذين يعبّرون عن تضامنهم مع الجنوبيين وسكان الضاحية. ويؤكّد هؤلاء، في نفس الوقت، أن العمل الإغاثي في طرابلس يواجه صعوبات، لكن أيضاً في كثير من الأحيان يكون من يقف خلف هذا التضييق شخص واحد أو مجموعة قليلة من الأشخاص.