كشف تحقيق عسكري أميركي أولي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ القوات الأميركية هي المسؤولة عن الضربة الصاروخية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية إيرانية في 28 شباط (فبراير) الماضي، وراح ضحيتها ما لا يقلّ عن 175 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال، في واحدة من أفدح الجرائم العسكرية منذ عقود.
أشارت المعطيات الأولية للتحقيق الجاري إلى أن ضربة صاروخ «توماهوك» التي طالت مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية في مدينة ميناب جنوبي إيران جاءت نتيجة خطأ في الاستهداف ارتكبه ضباط من القيادة المركزية الأميركية، الذين اعتمدوا في تحديد إحداثيات الضربة على بيانات قديمة وغير محدَّثة وردت إليهم من وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية.
يقول المسؤولون الأميركيون إنّ المدرسة المستهدفة تقع في مبنى كان في الماضي جزءًا من قاعدة تابعة لسلاح البحرية في الحرس الثوري الإيراني. وبينما جرى تحويل المبنى إلى مدرسة في مرحلة ما بين عامَي 2013 و2016، أي قبل أكثر من عشر سنوات، وفق ما تُظهره صور الأقمار الاصطناعية، فإن البيانات الاستخباراتية المستخدمة في الاستهداف ظلّت تصنّفه مرفقًا عسكريًا.
كشف تحقيق مرئي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن المبنى شهد تحولات واضحة تدل على طابعه المدني؛ إذ أُزيلت أبراج المراقبة المحيطة به، وفُتحت ثلاثة مداخل عامة، وطُليت جدرانه بالأزرق والوردي، فيما خُصص ملعب رياضي في ساحته. وقد أظهر مقطع فيديو موثَّق نشرته وكالة «مهر» الإيرانية صاروخَ «توماهوك» يضرب القاعدة البحرية المجاورة للمدرسة في اليوم نفسه.
دور الذكاء الاصطناعي
يقول تقرير «نيويورك تايمز» إن المحققين درسوا احتمال أن تكون نماذج الذكاء الاصطناعي، ومنها نموذج «كلود» من شركة «أنثروبيك»، أو برامج تحليل البيانات أو وسائل جمع المعلومات التقنية الأخرى، قد أسهمت في الخطأ الذي أدى إلى استهداف المدرسة، إلا أن المسؤولين رجّحوا أن الخطأ لم يكن ناتجًا من هذه التكنولوجيا.
يذهب التقدير الأولي إلى أنه خطأ بشري تقليدي في زمن الحرب، مرتبط ببيانات قديمة لم تُحدَّث أو لم تُراجَع على النحو المطلوب. ومن خارج تقرير الصحيفة، يعتقد محللون اقتصاديون أنه لا مصلحة أميركية في اتهام الذكاء الاصطناعي، كونه صار يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد الأميركي، وقد يضرّ به اتهام علني من هذا النوع، خصوصًا أن الولايات المتحدة تخوض سباقًا مع الصين في هذا المجال.
إخفاق استخباراتي متعدد الحلقات
يتمحور التحقيق الأميركي حول فشل منظومة الاستهداف في تحديث بياناتها، ويشمل التدقيق في أداء ثلاث جهات رئيسية: وكالة الاستخبارات العسكرية التي زوّدت القيادة المركزية بالبيانات الخاطئة، والوكالة الوطنية للاستخبارات الجيومكانية المنوط بها مراجعة صور الأقمار الاصطناعية وتحديثها، فضلًا عن ضباط القيادة المركزية أنفسهم الذين كان عليهم التحقق من المعلومات قبل إصدار أوامر الضرب. وأوضح مسؤولون مطّلعون على سير التحقيق أن سرعة وتيرة العمليات العسكرية في الأيام الأولى من الحرب أسهمت على الأرجح في تجاوز إجراءات التحقق المعتادة، غير أن ذلك لا ينفي المسؤولية القانونية والأخلاقية عن المجزرة.
ترامب يتهرب من المسؤولية
وفي مفارقة لافتة، أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة على تحميل إيران المسؤولية عن الضربة، في حين أحجم وزير الحرب بيت هيغسيث وسائر المسؤولين عن التعليق. وعندما استُفسر ترامب عن سبب كونه الوحيد في إدارته الذي يلوم إيران، أجاب: «لأنني لا أعرف ما يكفي عن الأمر»، مُقِرًّا بأنه سيقبل في نهاية المطاف ما ينتهي إليه التحقيق.