اوراق خاصة

صراع الأخلاق والمصالح في الأزمات الأبدية

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

تتوالى فصول الصراعات، في عالمنا المعاصر، مؤكدة حقيقة مؤلمة مفادها أن "الحرب لا ولن تنتهي"؛ ما دام هناك ظالم ومظلوم، وطامع لا يشبع، وفكر توسعي استعماري. هذه الرؤية الفلسفية العميقة، والتي تستند إلى غياب الصفة الإنسانية الرادعة وهي صفة الأخلاق، تلقي بظلالها على المشهد الدولي الراهن، لا سيما في منطقة غرب آسيا؛ حيث تتصاعد وتيرة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ولبنان. 

يكشف تحليل هذه الأحداث ديناميكيات معقدة، تبرز فيها المصالح الجيوسياسية على حساب القيم الإنسانية، وتؤكد الحاجة الملحة إلى "إعادة برمجة العقل البشري" نحو مسار أكثر إنسانية وسلامًا.

قراءة سوسيولوجية في استمرارية الصراع

من منظور علم اجتماع الأزمات، تُعد الحروب تجليات حادة لأزمات بنيوية عميقة داخل الأنظمة الاجتماعية والسياسية. هي ليست مجرد أحداث عارضة، إنما هي نتاج لتراكم التوترات والصراعات على الموارد والنفوذ والهوية. في سياق غرب آسيا (الشرق الأوسط)، تتداخل هذه الأزمات لتشكل حلقة مفرغة من العنف، حيث تُستخدم الأزمات القائمة كذريعة لإعادة هندسة المجتمعات والخرائط السياسية وتغيير موازين القوى الإقليمية. يرى علماء الاجتماع أن الصراع غالبًا ما يكون وظيفيًا للقوى المهيمنة، حيث يتيح لها تعزيز سيطرتها وتسويغ تدخلاتها وإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

أما علم اجتماع السياسة، فيقدم إطارًا تحليليًا لفهم صراع القوى والهيمنة دافعًا رئيسًا للحروب. إن الفكر التوسعي الاستعماري، ليس مجرد مفهوم تاريخي، هو واقع معاصر يتجلى في سعي الدول الكبرى لفرض نفوذها وسيطرتها على مناطق حيوية، سواء أكان ذلك في التدخل العسكري المباشر أو غير المباشر. إن "الطمع الذي لا يشبع"، كما وصفه الطرح، يمثل محركًا أساسيًا لهذه السياسات، حيث تسعى القوى العظمى إلى تأمين مصادر الطاقة، والتحكم في طرق التجارة وضمان تفوقها الاستراتيجي على المنافسين الإقليميين والدوليين.

المشهد الراهن: عدوان مستمر

يشهد غرب آسيا (الشرق الأوسط) عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا مستمرًا على إيران ولبنان، يتجلى في حملات عسكرية واسعة النطاق تستهدف شل القدرات العسكرية وتغيير موازين القوى في المنطقة. هذا العدوان، الذي يتسم بالقصف المتواصل والغارات الجوية على أهداف حيوية، يوقع خسائر بشرية ومادية فادحة، ويزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والسياسية.

في خضم هذا التصعيد، يبرز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات مثيرة للجدل، حين يصف الحرب بأنها "انتهت إلى حد كبير" أو "اكتملت جدًا"، بينما يهدد في الوقت ذاته بضربات "أشد" إذا ما أغلق مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي لتجارة النفط العالمية. هذه التصريحات، والتي تتناقض والواقع الميداني للعدوان المستمر، تكشف استمرار التوتر والتهديدات، وتؤكد أن الأهداف الاستراتيجية وراء هذا الصراع لم تتحقق بالكامل بعد، أو أن هناك أهدافًا أبعد تتجاوز مجرد الردع أو الدفاع.

الأهداف الأمريكية وراء الستار

إن الأهداف الأمريكية من هذا العدوان تتجاوز غالبًا الخطاب المعلن. بالإضافة إلى الأهداف التكتيكية مثل تدمير القدرات الصاروخية والمسيرات الإيرانية، هناك أهداف استراتيجية أعمق تسعى واشنطن لتحقيقها في المنطقة. يمكن تلخيص هذه الأهداف في عدة نقاط:

1.    تحجيم النفوذ الإيراني: تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تقويض النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، والذي يعدانه تهديدًا لمصالحهما الأمنية والاستراتيجية. يشمل ذلك دعم الجماعات الموالية لإيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

2.    تأمين ممرات الطاقة: يعد مضيق هرمز نقطة اختناق حيوية لتجارة النفط العالمية. أي تهديد لهذا المضيق يثير قلق القوى الكبرى، وتسعى الولايات المتحدة لضمان حرية الملاحة فيه، وهو ما يفسر تهديدات ترامب الأخيرة.

3.    إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية: تهدف واشنطن إلى إعادة صياغة خريطة التحالفات الإقليمية وتعزيز مكانة حلفائها التقليديين، وإضعاف المحور المقاوم الذي تقوده إيران. هذا يشمل الضغط على دول المنطقة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وتشكيل جبهة موحدة ضد إيران.

4.    السيطرة على الموارد: على الرغم من أن هذا الهدف لا يُعلن صراحة، إلا أن السيطرة على موارد الطاقة والممرات التجارية في غرب آسيا تظل هدفًا استراتيجيًا للقوى العظمى، ما يضمن تدفق الموارد بأسعار مناسبة ويحافظ على هيمنتها الاقتصادية.

غياب الأخلاق وضرورة إعادة البرمجة

يقود التحليل السوسيولوجي والسياسي لهذه الأحداث إلى جوهر الفكرة التي طرحت؛ وهي غياب الأخلاق كونها قوة رادعة. في ظل صراع المصالح والطمع، تتراجع القيم الإنسانية، وتصبح حياة البشر مجرد أرقام في معادلات جيوسياسية معقدة. إن استمرارية الحروب وتكرار سيناريوهات الظلم والاستغلال، يشير إلى خلل عميق في "العقل البشري" ذاته، والذي يبدو أنه مبرمج على التنافس والصراع بدلاً من التعاون والسلام.

هنا تبرز الحاجة الملحة إلى "إعادة برمجة العقل البشري على ما سُلب منه خلال عصور مضت". هذه "البرمجة" لا تعني بالضرورة تغييرًا بيولوجيًا، هي دعوة إلى تحول ثقافي وفكري عميق، يعيد للأخلاق مكانتها قوة موجهة للسلوك الإنساني والدولي. هي دعوة لتبني قيم التعاطف والعدالة والتعايش السلمي ورفض منطق القوة والهيمنة. إن لم يتحقق هذا التحول، فإن العالم "لن يرى السلام أبدًا"، وستظل الحروب الأبدية هي السمة المميزة لوجودنا.

في الختام

إن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على المنطقة بأسرها، وما يصاحبه من تصعيد وتداعيات، ليس مجرد أحداث عسكرية عابرة، هو انعكاس لصراع أعمق بين المصالح الجيوسياسية وغياب الوازع الأخلاقي. يقدم علم اجتماع الأزمات والسياسة أدوات لفهم هذه الديناميكيات، لكن الحل الجذري يكمن في "إعادة برمجة العقل البشري" نحو قيم السلام والعدالة...فما لم نتمكن من استعادة "الصفة الإنسانية الرادعة وهي صفة الأخلاق"، ستظل الحروب هي القدر المحتوم، وسيبقى السلام مجرد حلم بعيد المنال.
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد