اوراق مختارة

المعضلة اللوجستية الأميركية ومقاومة إيران غير المتوقّعة

post-img

إسلام أوزكان/جريدة الأخبار

يمكن تلخيص حقبة ترامب الثانية بأنها عملية تم فيها تقليص مقاومة الهياكل البيروقراطية التقليدية في السياسة الخارجية الأميركية إلى أدنى مستوياتها، مع تجاوز آليات "الرقابة والتوازن المؤسسي" عبر تعيين كوادر تتّسم بانسجام أيديولوجي مطلق. وقد أدّى هذا التوجّه إلى عسكرة السياسة الخارجية وتحوّل الأفعال الأحادية إلى أداة أساسية، وهي سياسة "إرادة القوة" التي بدت ناجحة في البداية بسبب عامل الحظّ والاعتماد على التهديد والابتزاز، إلى أن اصطدمت بالواقع المعقّد للحرب مع إيران، حيث انهارت الحسابات تمامًا. لقد اتضح أنّ إسقاط النظام الإيراني ليس بالمهمّة السهلة، وإذا لم يتراجع ترامب في اللحظة الأخيرة، فإنّ مغامرته غير المحسوبة ستنتهي بسحق الاقتصاد العالمي والسلام الإقليمي تحت الأنقاض.

تواجه الاستدامة العملياتية العسكرية الأميركية تهديدًا حقيقيًا نتيجة الانخفاض الحادّ في مخزونات الذخيرة والمشاكل الهيكلية في خطوط الإنتاج. وفي بيئة صراع عالية الكثافة، تجاوز معدّل استهلاك أنظمة الدفاع الجوّي من طراز "باتريوت" والذخائر الموجّهة بدقّة قدرة الصناعة على الإنتاج بمراحل. كما أنّ هشاشة سلاسل التوريد العالمية ونقص العمالة يمنعان تحوّل قطاع الدفاع إلى "اقتصاد الحرب" على المدى القصير؛ وهو ما يؤدّي إلى تآكل العمق الاستراتيجي للولايات المتحدة وإضعاف التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها.

في هذا السياق، يبرز إغلاق مضيق هرمز كبديلًا اقتصاديًا لـ"القنبلة النووية" الإيرانية، حيث أحدث إغلاقه صدمةً غير متماثلة للاقتصاد العالمي. إنّ عرقلة هذا الممرّ الذي يمرّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط الخام في العالم أدّت إلى قفزة غير طبيعية في أسعار خام برنت. ويمثّل هذا الشلل الجهازي سابقة تاريخية تسبّبت في انسداد سلاسل توريد النفط، ممّا دفع المنتجين الرئيسيين مثل العراق والكويت والإمارات إلى إغلاق آبار الإنتاج قسريًا بسبب امتلاء قدرات التخزين. وتشير التوقّعات إلى احتمال اختفاء 9 ملايين برميل يوميًا من السوق بحلول نهاية آذار، وهو ما يعادل 10% من الطلب العالمي، مما يثير اضطرابًا هائلًا في أسواق السلع الأساسية. وقد أثبت وصول سعر برميل برنت إلى 116 دولارًا بزيادة قدرها 100% مدى الانقسام العميق في توازن العرض والطلب.

لم يقتصر انتشار الأزمة على النفط فحسب، بل امتدّ ليشمل الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف المنشآت القطرية، ممّا أخرج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة ورفع تكاليف الطاقة في أوروبا وآسيا إلى مستويات قياسية. وقد أعلن قطاع صناعة الألمنيوم، وهو قطاع كثيف الاستهلاك للطاقة، "القوة القاهرة" وعلق الإنتاج، مما أصاب سلاسل التوريد العالمية بالشلل. وبدأت الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشدة على نفط الخليج في تطبيق بروتوكولات إدارة الأزمات مثل حصص الوقود وترشيد الطاقة الإجباري، مما يعكس التأثير المدمّر للأزمة على الاقتصاد الحقيقي.

لمحاولة كبح الضغوط التضخّمية العالمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، أقدمت إدارة ترامب على مناورة استراتيجية تمثّلت في تخفيف نظام العقوبات المفروض على النفط الروسي لتمكين كبار المشترين مثل الهند من الوصول إلى مصادر بديلة. وهذا يثبت أنّ تكلفة "الحرب الاختيارية" في السياسة الخارجية الأميركية بدأت تتقدّم على الأهداف الأيديولوجية. ورغم أنّ الولايات المتحدة أصبحت مصدرًا صافيًا للطاقة، إلا أنّ التكلفة السياسية لارتفاع أسعار البنزين أمام الناخبين تضع ترامب في مأزق حرج، خاصة مع إلغاء أكثر من 20 ألف رحلة جوّية وتضرّر أكثر من مليون مسافر، ممّا يكشف عن واحدة من أسوأ حالات الاستنزاف اللوجستي في التاريخ الحديث.

على صعيد الشرعية، تستند إدارة ترامب في حربها إلى افتراضات تفتقر إلى أدنى اختبارات المنطق أو الأدلة، مثل "المشاعر القوية" أو "الدفاع عن النفس بوجود هجوم إسرائيلي وشيك". إنّ حجة "الدفاع الاستباقي عن النفس" التي يدعو إليها ماركو روبيو لا تلبّي معايير "الضرورة" و"الفورية" في الأدبيات القانونية. وكما أكد ماكس فيبر، فإن القوة لا تتحوّل إلى سلطة إلا عبر الشرعية، بينما سياسة ترامب المهووسة بالقوة والتبشير بالعنف لا تنتج سوى الفوضى، مما يحوّل الولايات المتحدة إلى ما يشبه "الدولة المارقة" ويفقدها مصداقيتها تمامًا.

في الختام، أثبتت حملة 2026 أنّ النجاحات التكتيكية بعيدة كل البعد عن تحقيق نصر استراتيجي، حيث أدّى غياب خطة واضحة لـ"اليوم التالي" والقيود اللوجستية إلى تحويل العملية إلى حرب استنزاف مدمّرة. وبدلًا من تحريض الشعب ضد النظام، أدّت الهجمات الجوّية إلى نتيجة عكسية تمثّلت في "الالتفاف حول العلم" وتنامي الحس الدفاعي الوطني في إيران. إنّ هذا النظام الذي انسلخ عن الحق والشرعية سيُذكر في عالم الغد باعتباره "مشروع قرصنة من قبل مجموعة متعصبة" تسبّب في تدمير الاستقرار الإقليمي والنظام الاقتصادي العالمي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد