اوراق خاصة

عهدٌ يتجدد في يوم القدس العالمي (2026)

post-img

علي عبد الحميد علي/ رئيس مركز الحضارة العربية للتنمية الثقافية في القاهرة

يحمل يوم الجمعة الأخيرة، من شهر رمضان المبارك (1447 هـ الموافق 13 مارس 2026)، معاني ودلالات خاصة، في ظل المواجهة الكبرى مع العدوان الصهيوني الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى لبنان العربي.

لعلّ أهم هذه المعاني والدلالات هو استمرار الثورة الإسلامية؛ منذ نجاحها بالإطاحة بالحكم الشاهنشاهي العميل والتابع لقوى الاستعمار العالمي (الصهيوني الأمريكي، على العهد الذي قطعته على نفسها، وألزمت نظامها الثوري به ضد قوى الاستكبار العالمي.

منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة، أعلنت وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استعادة أرضه، وقطعت علاقات إيران السابقة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعسكرية كلها ... إلخ، مع الكيان الصهيوني، في اللحظة التاريخية ذاتها التي كانت تستدير فيها الدول العربية بعد اتفاقيات الاستسلام التي دشنتها منظومة كامب ديفيد وما تلاها..

الأهم من ذلك، أن الثورة الإسلامية حولت مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى مقر للسفارة الفلسطينية، وأنشأت فيلق القدس في خطوة على تحرير فلسطين. وأكثر من ذلك، هي أصبحت النظام الوحيد تقريبًا الذي دعم وأمد فصائل المقاومة الفلسطينية كافة بأنواع الدعم العسكري والاقتصادي والمالي كلها، في وقت تخلت فيه الأنظمة العربية عن مسؤولياتها التزامًا بتعهداتها في كامب ديفيد ووادي عربة واتفاقات التطبيع الإبراهيمي المهين مع العدو، وهو ما كان واضحًا جليًّا إبان معارك "طوفان الأقصى" (2023- 2025).

إضافة إلى ذلك؛ فإن قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني الراحل بادر إلى إعلان يوم القدس العالمي؛ حيث تنتظم الأمة الإسلامية كلها وأحرار العالم كلهم بوقفات الدعم والتأييد، في الجمعة الآخيرة من شهر رمضان في كل عام، وفاءً للقدس والتزامًا بفلسطين، وتذكيرًا للعالم بقضية الشعب الفلسطيني العادلة.

هذا؛ ويأتي يوم القدس العالمي، هذا العام، في ظل هذه المواجهة الكبرى مع العدوان الصهيوني- الأمريكي الغادر الإجرامي الغادر، حيث تخوض الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوى المقاومة العربية الإسلامية، لا سيما حزب الله، حربًا عادلة توجه فيها ضرباتها الحاسمة والموجعة ضد العدوان وقواعده، وتصل صواريخه ومسيَّراته إلى قلب دولة الكيان الصهيوني، تؤلمهم وتوجعهم جزاءً وفاقًا لما فعلوا بأهلنا في غزة وفلسطين ولبنان من خراب وتدمير وقتل للعُزل والأبرياء.

ما قامت به إيران وما تزال، ومعها حزب الله في لبنان وقوى المقاومة في إطار وتنسيق متزامن، إنما يأتي ويُعبِّر عن احتفالية خاصة بيوم القدس هذا العام، تشفي به صدور قومٍ مؤمنين. تؤكد به، أيضًا، أن إيران وهي تقود هذه الحرب المقدسة إنما تقودها نيابة عن الأمة العربية والإسلامية كلها، وعن أحرار العالم كلهم الذين يتشوقون إلى لحظة الخلاص من قوى الاستكبار العالمي سعيًا ووصولاً إلى صياغة نظام عالمي جديد يسوده العدل والاحترام المتبادل بين دوله وشعوبه.

إن يوم القدس العالمي، هذا العام، بمظاهراته المليونية في المُدن الإيرانية كافة، وبحضور  العديد من قيادات الدولة، رئيسًا ومرجعيات دينية وقيادات الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي، وعلى الرغم من أجواء الحرب وتحليق طائرات العدو وقصفها، يعبر عن الدلالة الأعظم، وهي أن الشعب والحكم يمثلان حالًا ثورية واحدة، وأن محاولات العدو باغتيال قائد الثورة الأمام الخامنئي وبعض قيادات الصف الأول للدولة والرهان على تغيير النظام، قد باءت بالفشل الذريع.. هذا يعيدنا بالذاكرة إلى وقفة الشعب المصري والعربي في التاسع والعاشر من يونيو1967 رفضًا للهزيمة وعهدًا باستمرار طريق النضال..

 إن هذا الشعب القائد والمُعلِّم، في مصر وإيران، هذا الشعب صانع الحضارة، احتضن الدولة والثورة وظهر معدنه الأصيل قوة ضاربة في عُمق التاريخ بصموده الأسطوري، والذي يمنحنا الأمل في دورة تاريخية معاكسة، تتحقق بها بداية انتصارات الأمة على طريق تحرير مقدساتها وفلسطين في مقدمتها.

ما اختيار القائد الجديد الأمام مجتبى الخامنئي إلا رسالة واضحة باستمرار الثورة على الطريق ذاته.. أكثر حسمًا وصمودًا ومقاومة، وأن هذا النظام الثوري، على الرغم من الحصار الإمبريالي والاستعماري، والذي شارف عمره الخمسين عامًا منذ إندلاع الثورة الكبرى، تمكن من بناء قوته الضاربة ووضعها في إطار الأهداف الكبرى لحركة التحرر الوطني العالمي.

هذه المظاهرات، في يوم القدس العالمي، سواء في إيران وصنعاء ولبنان والعراق وتونس وتركيا وباكستان، إضافة إلى وقفات رمزية في العديد من مدن ودول العالم، إنما تؤكد هذه الصحوة، وهذا التأييد والدعم رفضًا لهذا العدوان الغادر والجبان.

إن غابت الكثير من العواصم العربية عن المشاركة في يوم القدس العالمي، لأسباب يمكن أن نتفهمها من ضغوط أمنية وأزمات اقتصادية، إلا أن الوعي المتزايد بين أبناء أمتنا والتأييد المعنوي والدعاء لإيران وقوى المقاومة على أمتداد وطننا العربي الكبير بالانتصار في هذه المواجهة الكبرى، وهو أمر نستشعره جميعًا، ونثق أن أمتنا وأقطارها وشعوبنا قادمة حتمًا على طريق المواجهة، وهذا هو درس التاريخ.

في يوم القدس العالمي، في هذا العام، تعيد الأمة العربية والإسلامية اكتشاف نفسها، وتؤكد حيويتها وأصالتها، وأن بوصلتها واضحة تمامًا لا غموض ولا لبس فيه، وهي أن فلسطين قضيتنا المركزية، بها ومنها وعندها تتحرر الأمة وتستعيد مشروعها للنهوض والبناء الحضاري المستقل.

إيران وقوى المقاومة تمثل البداية والانطلاقة.. تحارب نيابة عن الأمة.. ونحن معها على الطريق ذاته إيمانًا واحتسابًا؛ ولا عزاء للمتخاذلين.. دعاة الفتنة والطائفية.

"إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ".

"قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"

"نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد