اوراق خاصة

 ما يجري بين إيران وإسرائيل يعيد "باكس جوديكا " إلى الواجهة .. .فهل هي نبوءة أم فلسفة؟

post-img

د. زينب الطحان/ كاتبة وأستاذة جامعية

في خضم عالم مضطرب، حيث تتصارع القوى الكبرى على نفوذها بين الشرق والغرب، يبرز سؤال ملح: هل نحن على أعتاب نظام عالمي جديد، قد تقوده قوة لم يكن أحد يتوقعها، قوة صغيرة بحجمها، عظيمة بإرادتها، ومهيمنة بروحها التاريخية؟

مصطلح "باكس جوديكا"(السلام اليهودي) بدأ يتردد في الأوساط السياسية والأكاديمية ليصف تصوّرًا مفاده أن "إسرائيل" قد تصبح محركًا مركزيًا للنظام الدولي القادم، كما فعلت من قبل الإمبراطوريات الرومانية والبريطانية والأمريكية. لكن هذه المرة في سياق القرن الحادي والعشرين المعقد، حيث الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا العالية والذكاء الاصطناعي أصبحوا أدوات الهيمنة الجديدة.

التاريخ يعلمنا أن كل قوة هيمنت على العالم بدأت بفكرة، ثم تحولت إلى مشروع، وأخيرًا إلى نظام يفرض نفسه على الآخرين. "إسرائيل" (فلسطين المحتلة)، على الرغم من صغر مساحتها الجغرافية، تملك إمكانات غير متناسبة وحجمها، فهي قوة عسكرية متقدمة وشريك اقتصادي في سلاسل التكنولوجيا العالمية وحاضنة لثقل سياسي وديني عالمي، ما يجعلها لها دورًا محوريًا في أي خريطة جيوسياسية مستقبلية. التفوق العسكري الإسرائيلي يتجاوز حدود الدفاع، ليصبح أداة لإعادة رسم التوازنات في منطقة "غرب آسيا" (الشرق الأوسط)، من غزة حيث تتشابك المصالح الأمريكية والإسرائيلية مع المقاومة الفلسطينية، إلى إيران حيث التوتر النووي والتوسع الإقليمي يعيد تشكيل التحالفات، وصولًا إلى مسرح أوكرانيا حيث تتشابك السياسة الغربية مع صعود النفوذين الروسي والصيني، فيؤكد أن العالم لم يعد مقتصرًا على الصراعات التقليدية، لقد أصبح رقميًا واستراتيجيًا متعدد الأبعاد.

على المستوى الاقتصادي، تمثل "إسرائيل" قوة متنامية في القطاعات التكنولوجية، من الذكاء الاصطناعي إلى الأمن السيبراني، ما يجعل تحالفاتها الاقتصادية استراتيجية على مستوى عالمي. هذه القدرة الاقتصادية مقترنة بالهيمنة التكنولوجية، تمنحها أدوات غير تقليدية للنفوذ، إذ يمكن السيطرة على البنى التحتية الحيوية وتحليل البيانات الكبرى والتأثير في صناعة القرار السياسي في العالم. هنا، لا يبدو مفهوم "باكس جوديكا" مجرد فكرة فلسفية، هو احتمال ملموس يفرضه الواقع الجديد للعلاقات الدولية، حيث القوة العسكرية تُكملها القوة الاقتصادية والتكنولوجية.

تحويل "إسرائيل الكبرى" إمبراطورية لحكم العالم

إن النظر إلى القدس لم يعد يقتصر على القراءة الدينية أو الرمزية، لقد تحولت النظرة إلى كونها مفتاحًا لفهم الصراعات والتحالفات الدولية. إذ إن القدس تمثل مركزًا حضاريًا وسياسيًا يربط بين الشرق والغرب، والقدرة على التحكم في مهد الديانات السماوية- في المفهوم القرآني الإسلام تتمة لليهودية والمسيحية- تمنح القوة المسيطرة موقعًا استراتيجيًا، يجعل أي تدخل أو تحرك في المنطقة يتردد صداها عالميًا. من منظور أيديولوجي، يرى بعض المفكرين أن المشروع الصهيوني لا يقتصر على إقامة دولة قومية، إنما على بناء كيان قادر على تأدية "دور حضاري عالمي"، وهو تصور ناقشه المفكر جان إيزوليه، في عشرينيات القرن الماضي، وربطه بمهمة اجتماعية وحضارية تتجاوز حدود الجغرافيا.

أما على صعيد الجذور التاريخية والفلسفية، فقد تناول الفلاسفة الأوروبيون مثل جون لوك وجان جاك روسو، وأحيانًا العلماء مثل إسحاق نيوتن، فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وربطها بمستقبل البشرية، ما يعكس بعدًا استراتيجيًا وفكريًا لم يكن محصورًا داخل الفكر الديني اليهودي فقط. وبالاقتران مع رؤى المفكرين المسلمين مثل مالك بن نبي، نجد أن أي مشروع حضاري قائم على فكرة دينية يمتلك القدرة على تغيير مسارات التاريخ إذا اجتمعت الإرادة مع الموارد والزمان المناسب. إذ يشهد العالم سياقًا تاريخيًا توشك أن تفقد فيه الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى والحاكمة في العالم " " pax americana لتحل محلها في هذا المركز "دولة أخرى" هي "إسرائيل" "pax judaica "؛ تماما كما فقدت هذا المركز بريطانيا "pax britanica" في الحرب العالمية الأولى وحلت محلها الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا السياق؛ يؤكد البروفسور عمران حسين في قوله :" ستحل دولة اسرائيل اليهودية – الأوربية في النهاية محل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا فتصبح هي الدولة العظمى عسكريًا وماليًا؛ ثم تدعي لنفسها الحق في قيادة العالم والسيطرة عليه على نحو لم تحقق مثله بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية".

في عالم تتشابك فيه المصالح الدولية وتتقاطع فيه السياسات الكبرى، تصبح عملية فهم السياسة الدولية وإدراك حقيقة الأحداث الغامضة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمخططات الصهيونية والأهداف الإسرائيلية، والتي تتمحور في آليات انتقال سلطة حكم العالم من العصبة الأمريكية "باكس أمريكانا" إلى العصبة اليهودية "باكس جوديكا". إذ يُنظر إلى "إسرائيل" على أنها خط تاريخي محوري لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل، في حين تظل القدس المفتاح الأساسي لفهم العملية التاريخية لغرب آسيا (الشرق الأوسط) والعالم بأسره. في هذا الإطار، يؤكد البروفسور عمران حسين قائلاً: "لا يمكن لأي شخص فهم حقيقة العالم الحديث ما لم يتمكن أيضًا من سبر أغوار حقيقة القدس اليوم".

من هنا، يصبح من المستحيل استيعاب التحالفات الدولية والسياسات العالمية مندون إدراج إسرائيل في سياقها الاستراتيجي، والمتمثل في إقامة نظام عالمي تحت سيطرتها. يقول البروفسور جان إيزوليه، أستاذ الفلسفة الاجتماعية، في كوليج دوفرانس ومؤلف كتاب "المهمة الاجتماعية لإسرائيل" سنة 1926: "إذا كانت إسرائيل تطمح إلى إنشاء إمبراطورية للعالم، فهذا من حقها تمامًا، وأن إقامة نظام عالمي جديد تحت قيادتها يسير في طريق وحيد الاتجاه ولا يمكن عكسه، ولقطع خط الرجعة يجب الإبادة أو الإبعاد أو الطرد أو التكييف".

"إسرائيل"، في جوهرها، وجود استعماري توسعي وأطماعها الإقليمية والعالمية معلنة بلا مواربة. خريطة "إسرائيل الكبرى" محددة مسبقًا ومتداولة، ويظل شعار "من النيل إلى الفرات، أرضك يا إسرائيل" (Eretz Israel) رمزًا للمشروع الصهيوني الموعود. إذ إن هدف "إسرائيل" النهائي هو جمع يهود العالم كلهم في كيان واحد، وهو مشروع لا يمكن تحقيقه إلا بتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، سواء بالطرد أم بالإبادة، وهو ما يفرض خوض الحروب العدوانية الشاملة لتحقيق هذه الغاية. وفقًا لهذا المنظار؛ كنا نسمع دومًا قادة الكيان على مدى عقود ضرورة أن تُزاح إيران الإسلامية التي تحمل لواء مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، ولو اضطرها إلى ذلك استخدام العنف والقتل والإبادة.

إذ إن وظيفة "إسرائيل"- كما شاء صانعوها- حضارية كبرى في القرن الحادي والعشرين؛ وينظر إلى المجتمع اليهودي على أنه "مقدمة الحضارة" حان لها أن تقود الإنسانية وتحكم العالم، منطلقة من أيديولوجية قائمة على المبادئ الصهيونية والقيم اليهودية الداعية إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" في إقليم متسع وحشد ديموغرافي قيادي بوظيفة حضارية كونية، بصفتها الهدف النهائي للسياسة القومية اليهودية.  كما يؤكد إيزوليه قائلاً: "هناك ديانة أخيرة أو ديانة أولى، وليس لهذه الديانة أي منطقة أو إقليم، وهي حاضرة في كل مكان، إنها ديانة دولية مشتركة بين القارات، وباختصار، إنها ديانة شاملة، إنها موسوية إسرائيل". ويضيف الكاتب: "يجب التمكن من دنيوية كنائسنا في الشرق أو الغرب على نحو سليم ومقدس، ومن هنا ينشأ توليف الديانات، في الديانة العالمية التي سترسي أسس الوحدة الروحانية، وبالتالي الوحدة السياسية للجنس البشري. والعرق الذي يتمكن من اختراق الصفوف أكثر نحو الأمام، من خلال سرية قوانين الخلق، ويتغلغل حتى قلب الكون، فله ولديانته ستؤول السيطرة الروحية والعالمية على البشر". هذا  ما أبصر النور في العقد الأخير والمسمى بــ"الديانة الإبراهيمية"، بقيادة "إسرائيل".

كما لا يمكن إغفال دور "اإسحاق نيوتن" اليهودي- والذي يسمى زوًا بصاحب الاكتشافات العلمية الباهرة- في إشاعة النيؤات التوارتية التي تقول بهذه السيادة الدينية على الأرض، في كتابه "ملاحظات على نبؤات دانيال"، والذي قدم فيه رؤية توارتية خالصة لكيفية حكم اليهود العالم في آخر الزمان؛ مع ظهور "المسيح اليهودي المخلّص".

في هذا السياق؛ جاء قيام "دولة إسرائيل"، في العام 1948، متوافقًا والشرعية الدينية اليهودية، ويؤكد ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بقوله: "خلق إسرائيل سنة 1948 يعني العودة أخيرًا إلى أرض الميعاد التي أخرج منها اليهود منذ مئات السنين... إن إقامة الأمة الإسرائيلية هو تحقيق للنبوءة التلمودية والتنفيذ الجوهري لها". تؤكد القيادة الإسرائيلية هذا التوجه ذاته؛ فقد صرحت غولدا مايير: "هذه الدولة وجدت لتحقيق العهد الذي قطعه الله نفسه، ومن السخرية أن نطالبه بكشف حساب حول شرعيته"، وهو ما يمنح إسرائيل حقوقًا خاصة وتفسر قدرتها على التعامل مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، في حين يُنظر إلى الشعوب المحيطة بها على أنها تجمعات متخلفة، ويكون دورها خاضعًا لإرادة إسرائيلية تحددها العقيدة اليهودية.

كما أكد موشي دايان: "طالما امتلكنا الكتاب المقدس، وطالما اعتبرنا أنفسنا شعب الكتاب المقدس، فعلينا أن نحتل كل الأراضي المقدسة". انطلاقًا من هذه العقيدة التلمودية، عملت إسرائيل على خلق ظروف دولية مواتية لشن حروب توسعية تشمل المنطقة، بهدف توسيع حدودها لتشمل ما يسمى الأرض الموعودة من نهر مصر إلى نهر الفرات، كما شدد مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل: "المساحة من نهر مصر إلى الفرات، لابد لنا من فترة انتقالية لتثبيت مؤسساتنا يكون فيها الحاكم يهوديًا... وما أن تصل نسبة السكان من اليهود إلى الثلثين حتى تفرض الإرادة اليهودية نفسها سياسيًا".

رؤية المؤرخ أرنولد توينبي تؤكد هذا المنحى الحضاري، إذ يرى أن المشروع الحضاري مرتبط بثنائية التحدي والاستجابة، ويقول: "إن هذا التحدي بالشيء وللشيء وتنمو الحضارة بالتحدي الأقصى، بدافع حيوي تكون فيه الاستجابة لرد وحيد مكلل بالنجاح باكتساب قوة الدفع إلى الأمام بانتهاج معارك جديدة". ومن هذا المنظور، تُعد الحروب الإسرائيلية مع جيرانها العرب حروبًا كلية وشاملة مصممة لتوسيع نطاق السيطرة وبناء الإمبراطورية الكبرى، وهو ما يضع منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) على مفترق طرق تاريخي، حيث تكون هذه الحروب الأخيرة التي تحقق الهدف النهائي لــ"إسرائيل" في الهيمنة الإقليمية والعالمية.

اليوم، بينما يشهد العالم تصاعدًا في صراعات متعددة الأبعاد، من الغاز والنفط والتكنولوجيا إلى النفوذ السياسي في آسيا وأوروبا، وحاليًا يتوج بحرب مدمرة تستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران وقوى المقاومة في لبنان وغزة والعراق واليمن، يتضح أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية والقوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، تجد نفسها أمام تحديات متداخلة تقتضي إعادة النظر في تحالفاتها، وتفتح الباب أمام احتمال قيام نظام عالمي جديد، قد يصبح فيه لـــ"إسرائيل" الدور المحوري، في تحديد معالم النظام الدولي القادم، ولن ينحصر في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، بحال – لا سمح الله- تمكّنت من الانتصار في الحرب الدائرة حاليا على جبهتين(لبنان وإيران)..

في النهاية، النقاش حيال "باكس جوديكا" ليس مجرد فرضية تاريخية أو نظرية سياسية، هو تحذير من أن العالم قد يقف على مفترق طرق: إما أن نبني نظامًا متعدد الأقطاب يقوم على التوازن والتعاون، وإما نشهد ولادة نظام هيمنة جديد، حيث القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية تتحول إلى أدوات لإخضاع الشعوب والدول. وما بين إيران ومحورها المقاوم، إلى جانب روسيا ومعاركها والصين وتصاعد قوتها، وبين المتوحشين الأميركي والإسرائيلي في قيادة حرب مجنونة حاليًا؛ تظهر معالم هذا التحدي، لتؤكد أن السؤال الحقيقي ليس من سيقود العالم، بل كيف سيكون شكل هذا النظام الجديد، وهل سيكون قائمًا على التوازن أم على الهيمنة المطلقة؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد