معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
في لحظات التوتر الإقليمي تنكشف البنية الحقيقية للسياسة داخل الدول. إذ إن الحرب لا تختبر الجيوش فقط، أيضا تختبر طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع وقدرة المجال العام على طرح الأسئلة الصعبة. ما يجري اليوم في دول الخليج يكشف مفارقة سياسية واضحة، مفارقة بين حجم الأخطار المحيطة وحجم الصمت السياسي داخل هذه المجتمعات.
المشكلة الأساسية ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية؛ فالنظام السياسي في معظم دول الخليج قائم على مركزية القرار في البيت الحاكم، حيث تتحول القرارات السيادية الكبرى إلى مسلمات لا تخضع لنقاش عام واسع. المجتمع في هذه المعادلة لا يُعامل بوصفه شريكا في القرار، هو دومًا المتلقي؛ مع مرور الزمن تتشكل ثقافة سياسية تقوم على الطاعة أكثر مما تقوم على الحوار، وعلى القبول أكثر مما تقوم على المساءلة.
هذه البنية تخلق حالًا غريبة في أوقات الأزمات؛ إذ حين تتعرض مدن الخليج لضربات إيرانية أو لتهديدات مباشرة، يصبح من الطبيعي طرح سؤال بسيط، لكنه جوهري: ما جدوى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وما حدود الدور الذي تؤديه في حماية الدول التي تستضيفها؟
هذا السؤال ليس نظريا، هو سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل الأمن في الخليج كله.
لكن المشكلة أن هذا السؤال لا يجد طريقه بسهولة إلى النقاش العام، داخل هذه الدول. إذ إن وجود القواعد العسكرية الأجنبية هو قرار سيادي اتخذته القيادة السياسية، وفي بيئة سياسية لا تسمح بمراجعة قرارات البيت الحاكم يتحول نقاش هذه القضايا إلى منطقة شبه محظورة. هكذا يُغلق الباب أمام الجدل الحقيقي في السياسات الدفاعية.
عندما يغلق هذا الباب، لا يختفي التوتر؛ إنما بل يبحث عن مخرج آخر. هنا يظهر نمط معروف في المجتمعات التي تضيق فيها مساحة النقاش السياسي، وهو تحويل الجدل نحو ساحات خارجية أقل حساسية. وبدلًا من أن يدور النقاش في السياسات الخليجية نفسها، يتحول إلى سجالات إعلامية مع دول عربية أخرى لا علاقة مباشرة لها بالصراع.
في هذا السياق؛ تحديدًا ظهرت موجة من المناكفات مع المصريين في الفضاء الإعلامي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. مصر ليست طرفًا في الحرب، لقد أعلنت موقفا دبلوماسيًا، وأصدرت بيانات سياسية ترفض الاعتداء على دول الخليج، ومع ذلك أصبحت هدفا لنقاشات حادة. هذه المفارقة لا يمكن فهمها إلا بوصفها نوعًا من التعويض النفسي؛ فالمجتمع الذي لا يستطيع مساءلة قرارات حكومته، ولا يملك مساحة للنقاش حيال سياسات بلده، يبحث عن ساحة أخرى يفرغ فيها توتره.
الجدل مع المصريين يمنح هذا الشعور المؤقت بالفاعلية؛ هو يمنح الإحساس بأن النقاش قائم، وهناك معركة تدور، حتى لو كانت هذه المعركة رمزية بالكامل. لكنها في الحقيقة معركة زائفة لا تمس جوهر الأزمة. إذ إن الصراع الحقيقي ليس مع مصر، بل مع أسئلة داخلية أكبر بكثير، أسئلة تتعلق بالسياسات الأمنية والتحالفات العسكرية وطبيعة العلاقة مع القوى الدولية.
المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى حجم الإنفاق العسكري الخليجي. إذ تعد دول الخليج من أكبر مشتري السلاح في العالم، وتنفق مليارات الدولارات سنويًا على منظومات الدفاع والطائرات والأسلحة المتقدمة. لكن في اللحظة التي تتعرض فيها المنطقة لتوتر عسكري حقيقي، لا يظهر نقاش واضح حيال كيفية استخدام هذا التسلح، ولا حيال العقيدة العسكرية التي تحكمه.
الأكثر غرابة أن دول الخليج نفسها لم تعلن حتى الآن حربًا رسمية على إيران، ولم تطالب بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، مع أن هذه الاتفاقية وضعت أصلاً لمثل هذه الظروف. هذا الصمت السياسي يعكس طبيعة الاستراتيجية الخليجية القائمة على تجنب المواجهة المباشرة، والاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية.
لكن غياب نقاش هذه الخيارات يترك المجال العام في حالٍ من الضباب. المجتمع يرى التهديدات، ويشاهد التوترات، لكنه لا يشارك في نقاش الخيارات المطروحة. مع الوقت يتحول هذا الفراغ إلى ضجيج سياسي في الاتجاه الخطأ، ضجيج مليء بالسجالات والمناكفات التي لا تمس جوهر المشكلة.
لهذا تبدو المناكفات مع المصريين في النهاية مجرد عرض جانبي لأزمة أعمق. هي لا تعكس صراعًا حقيقيًا بين مجتمعات عربية، إنما تعكس أزمة في بنية النقاش السياسي داخل الخليج نفسه. إذ إن المجتمع الذي لا يستطيع مناقشة سياسات بلده سيبحث دائمًا عن معارك بديلة، حتى لو كانت هذه المعارك بلا معنى.
الحقيقة القاسية هنا أن معركة الخليج ليست مع مصر، ولا مع أي مجتمع عربي آخر. المعركة الحقيقية هي مع الأسئلة التي لا يُسمح بطرحها. ومعركة من هذا النوع لا تُحسم في ساحات التواصل الاجتماعي، إنما في القدرة على فتح نقاش حقيقي في السياسات التي تحدد مصير المنطقة.