اوراق مختارة

بسبب الحرب وأزمة الطاقة: العمل الإنساني باهظ الثمن في لبنان

post-img

مروان عيسى (صحيفة المدن)

تسببت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان في أضرار وخسائر كبيرة في البلاد، فيما يخوض العاملون في المجال الإنساني والمنظمات الإنسانية معركة شاقة في مواجهة هذه التطورات. فبين القصف الذي يطال البنى التحتية والخدمات الأساسية من جهة، وتقلبات الأسواق العالمية والقرارات السياسية التي تقيّد تمويل العمل الإنساني من جهة أخرى، تجد الجهود الإنسانية نفسها تكافح لتحقيق أهدافها.

وسّعت إسرائيل بشكل كبير نطاق ضرباتها وعملياتها في مختلف أنحاء لبنان، مستهدفة بشكل خاص جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت ومحافظة البقاع، فيما طالت الضربات بشكل متكرر مناطق في مختلف أنحاء البلاد، ما أدى إلى تضرر بنى تحتية حيوية وإلى الحد من قدرة الجهود الإنسانية على الوصول إلى المتضررين.

في المقابل، استهدفت أوامر الإخلاء القسرية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي مساحات واسعة من لبنان، إذ طالت سكان جميع مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، وعدداً كبيراً من البلدات في منطقة البقاع، إضافة إلى كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني، أي ما يعادل تقريباً سُدس الأراضي اللبنانية وفق تقديرات أولية سريعة.

وقد أدّى هذان المساران إلى موجات نزوح واسعة في مختلف أنحاء البلاد، حيث سُجّل حتى الآن نزوح نحو 1049328 شخص، من بينهم 132742 يقيمون حالياً في مراكز إيواء، فيما يجد كثيرون أنفسهم عالقين في الشوارع أو مضطرين إلى ترتيبات مؤقتة وغير مستقرة. وقد تسببت هذه الموجات المفاجئة من النزوح بضغط كبير على الخدمات الأساسية في مختلف المناطق، ولا سيما في بيروت وجبل لبنان حيث ترتفع معدلات النزوح بشكل ملحوظ.

سياق غير مهيأ للاستجابة

دخل لبنان هذه الجولة من التصعيد وهو غير مهيأ لها، ولم يكن قد تعافى بعد من الحرب السابقة، ولا من أزمته الاجتماعية والاقتصادية المستمرة التي أدت إلى ارتفاع الاحتياجات الإنسانية وتدهور كبير في إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية بالنسبة لغالبية السكان.

أما بالنسبة للقطاع الإنساني، فقد كان الوضع قاتماً منذ البداية. إذ إن التخفيضات الكبيرة في تمويل المساعدات التي أقرّتها الإدارة الأميركية، إلى جانب موجة من القرارات السياسية في عدد من الدول الأوروبية لخفض تمويل المساعدات أيضاً، أدت إلى تراجع كبير في قدرات الفاعلين في المجالين الإنساني والتنموي.

في عام 2024، تراجعت المساعدات الدولية بنسبة7.1%  بالقيمة الحقيقية بعد خمس سنوات من النمو المتواصل. ومنذ ذلك الحين، ازداد الوضع سوءاً بشكل ملحوظ.

فبين عامي 2024 و2025، انخفض التمويل الإنساني الأميركي بمقدار10.7  مليار دولار، أي بنسبة81%  (من 14.1 مليار إلى 3.4 مليار دولار)، تلاه انخفاض بنسبة 76% في ألمانيا و41% في السعودية، إضافة إلى تخفيضات كبيرة من مانحين عالميين آخرين، ما أدى إلى بقاء أكثر من ثلثي الاحتياجات التي قيّمتها الأمم المتحدة من دون تلبية.

وكانت قطاعات العمل الإنساني والتنموي في لبنان من بين الأكثر تضرراً. فبحلول منتصف عام 2025، كان قطاع الغذاء والزراعة قد تلقى أقل من9%  من التمويل المطلوب لذلك العام، بينما حصل قطاع الحماية على38%  فقط من احتياجاته التمويلية. وبعبارة أخرى، لم يكن لبنان قادراً أصلاً على تلبية احتياجات أزماته القائمة قبل اندلاع جولة التصعيد الجديدة.

أزمات الوقود والاقتصاد

بعد أن عانى لبنان من معدلات تضخم متصاعدة خلال معظم السنوات الخمس الماضية، أصبحت ظروف السوق والاقتصاد في البلاد تتسم أيضاً بصعوبة الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية بالنسبة لغالبية السكان، حيث كان82%  من السكان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد في عام 2021، وهو رقم يُتوقع أن يكون قد ارتفع اليوم.

كما أثرت أزمة الوقود العالمية الأخيرة التي أشعلتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بشكل مباشر على لبنان. فقد احتل لبنان المرتبة الخامسة عالمياً في ارتفاع أسعار الديزل بعد 23 شباط، والمرتبة الثامنة عشرة في ارتفاع أسعار البنزين بين 170 دولة وإقليماً، وفقاً لمنصة البيانات Global Petrol Prices.

وقد ارتفع سعر البنزين في لبنان بنسبة 18 في المئة منذ بدء التصعيد الإقليمي والمازوت بنسبة تقارب 32 في المئة، ما انعكس على مجمل الخدمات في البلاد قبل أن يشهد تقلبات ملحوظة لاحقاً.

تداعيات على العمليات الإنسانية

إن الارتفاع الكبير في أسعار الديزل والبنزين في لبنان لا يزيد فقط من كلفة العمليات الإنسانية، بل يعيد أيضاً تشكيل الطريقة التي يتم من خلالها إيصال المساعدات على الأرض.

فالمنظمات العاملة في مجال خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH) اعتمدت تقليدياً على نقل المياه بالصهاريج لتزويد مراكز الإيواء والمجتمعات التي تعاني نقصاً حاداً في الوصول إلى المياه. إلا أنه بعد أيام قليلة فقط من التصعيد الأخير، بدأ الفاعلون الإنسانيون بتقليل اعتمادهم على نقل المياه بالصهاريج بسبب كلفته المرتفعة واعتماده الكبير على النقل. وبدلاً من ذلك، بدأت الجهود تتحول بشكل متزايد نحو إصلاحات هيكلية وإعادة تأهيل لوجستية داخل شبكات المياه القائمة.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب بشكل كبير على الدعم في مجال الطاقة. فمع افتتاح 745  مركز إيواء في مختلف أنحاء البلاد لاستقبال السكان النازحين، كثير منها في مناطق أكثر برودة تتطلب التدفئة، ازدادت طلبات دعم الوقود بشكل ملحوظ من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من ظروف العيش في مراكز الإيواء والمجتمعات المضيفة.

ورغم هذه الاحتياجات المتزايدة، واجهت العديد من النداءات الإنسانية التي أطلقتها المنظمات غير الربحية صعوبة في حشد التمويل اللازم. وقد حذّر الفاعلون الإنسانيون مراراً من أن التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية الحالية ما زال أقل بكثير من مستويات التمويل التي تم حشدها في عام 2024.

ومن دون تحول حقيقي في سياسات كبار المانحين الدوليين، ستظل الاستجابات الإنسانية للأزمات المتكررة في لبنان، وفي أماكن أخرى، تواجه قيوداً كبيرة. غير أن التحدي يتجاوز مسألة التمويل وحدها.

فصعود الحكومات المتشددة والحركات السياسية التي تزداد عداءً لحقوق الإنسان وللقانون الدولي وللتعاون الدولي، يؤدي إلى تقويض الأسس التي يقوم عليها العمل الإنساني. ومواجهة هذا المسار تتطلب ليس فقط التزامات سياسية أقوى من الدول، بل أيضاً عودة الحركات الاجتماعية القادرة على إعادة التضامن وحقوق الإنسان والتعددية البنّاءة إلى صلب السياسة العالمية

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد