جاد طعمه (صحيفة الأخبار)
اليوم، ومرة جديدة، ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وفي ظل المسار التفاوضي الإقليمي الذي يبدو أنه ثبّت التفاهمات السياسية، تكشف لحظة عودة الجنوبيين إلى بلداتهم وقراهم عن بنية اجتماعية عميقة، أكثر مما تكشفه صناديق الاقتراع أو الخطابات السياسية.
المشاهد المنقولة من الجنوب اللبناني وعودة آلاف الأهالي، رغم التحذيرات الأمنية والمخاطر القائمة، يشكل واحداً من المشاهد الكاشفة التي تدلل على حجم التعلق والارتباط بالأرض والاستعداد للتضحية من أجلها.
المشاهد ليست مجرد حركة سكانية نحو المنازل أو ما تبقى منها. بل هي مشاهد تحمل في طياتها رسائل سياسية وسوسيولوجية مركبة، ظهرت بوضوح من خلال رفع أعلام حزب الله والأعلام الإيرانية من نوافذ السيارات في مواكب العودة.
يبرز سؤال شغل جزءاً كبيراً من الرأي العام اللبناني: كيف يمكن لمواطنين يعودون إلى أرض تقع ضمن حدود الدولة اللبنانية، أن يعبروا عن انتمائهم ولو رمزياً لكيان سياسي وعقائدي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية؟
القراءات السطحية سترى في هذه المشاهد دليلاً على أزمة ولاء أو على انتصار هوية غير وطنية على الهوية الوطنية. إلا أن القراءة السوسيولوجية الأعمق تقود إلى استنتاج مختلف، فما نشهده ليس تمرداً على المواطنة بقدر ما هو نتيجة مباشرة لفشل الدولة في إنتاج مواطنة جامعة وفاعلة.
الدولة لا تُبنى على النصوص الدستورية وحدها، بل على قدرتها على إنتاج شعور جماعي بالحماية والعدالة والانتماء. حين يشعر المواطن أن أمنه ومعيشته وكرامته مضمونة من خلال مؤسسات الدولة، هكذا تصبح الدولة المرجعية الطبيعية لولائه. أما عندما تغيب هذه الوظائف، وحين يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسات السياسية على تأمين الحماية أو إنتاج حلول واقعية لمشكلاته الوجودية، فهنا تحديداً تنشأ أشكال بديلة من الحماية والانتماء مثل الطائفة، العشيرة، الحزب، أو المرجعية الخارجية.
في هذا السياق، لا يمكن فهم العلاقة بين جزء كبير من البيئة الجنوبية اللبنانية والجمهورية الاسلامية الإيرانية باعتبارها مجرد علاقة سياسية بين تابع ومتبوع. فهي بالنسبة لكثيرين علاقة تشكلت عبر عقود من الحروب والحرمان والتهميش والشعور بالتهديد والخذلان وترك المجتمعات المحلية لمصيرها.
إن رفع الأعلام الإيرانية في مواكب العودة، لا يعبر فقط عن موقف جيوسياسي، بل عن سردية جماعية ترى في إيران شريكاً في الحرب وفي الحماية وفي الدعم، خلال مراحل تاريخية غابت فيها الدولة اللبنانية عن القيام بوظيفتها الأساسية وثبت عجزها عن تأمين الحماية لمواطنيها.
هذا التفسير لا يلغي وجود إشكالية حقيقية. فالمواطنة تقوم على وحدة المرجعية السياسية النهائية، وكلما ازداد ارتباط جماعة وطنية بمرجعية خارجية، ازدادت صعوبة بناء دولة متماسكة وقادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية باسم جميع مواطنيها. هنا تتجلى المعضلة اللبنانية، ليس لأن طائفة بعينها تمتلك ولاءً خارجياً، بل لأن النظام اللبناني بأكمله تأسس تاريخياً على شبكة من الارتباطات الخارجية المتبادلة.
فالسنوات الماضية أظهرت أن معظم الطوائف اللبنانية نسجت علاقات حماية أو دعم مع قوى إقليمية ودولية مختلفة. لذلك فإن التركيز على علاقة حزب الله بإيران بمعزل عن انتماءات وولاءات بقية الطوائف اللبنانية، قد يكون تبسيطاً لظاهرة أكثر تعقيداً. فالأزمة ليست أزمة ولاء لدى أبناء الطائفة الشيعية لإيران فقط، بل هي أزمة دولة لم تنجح في أن تصبح المرجعية النهائية لجميع أبنائها.
مشاهد العودة إلى الجنوب تكتسب أهمية استثنائية. فالأهالي الذين عادوا إلى قرى وبلدات مدمرة، وبعضهم يعلمون يقينا أنهم تحت خطر الاستهداف ورغم ذلك قبلوا المخاطرة، كانت مشاهد عودتهم تحمل رسالتين متزامنتين: الأولى هي تمسكهم بأرضهم والرغبة بالعودة إليها أيا ما كانت الظروف، والثانية هي تمسكهم بالهوية السياسية التي يعتقدون أنها ساهمت في حمايتهم أو التي هم على استعداد لتقديم أغلى التضحيات من أجلها. وهذا ما يفسر التداخل بين الرايات الوطنية والحزبية والدينية في مشهد واحد.
هذه العودة تكشف أيضاً حدود المقاربة القائمة على فكرة "استعادة الدولة بالقوة". فكل قراءة واقعية للمجتمع اللبناني تشير إلى أن الرهان على فرض حل عسكري داخلي لإعادة الجماعات إلى كنف الدولة يحمل في طياته مخاطر كارثية، قد تتجلى مظاهرها في انقسام الجيش، تفكك المؤسسات، تدخلات خارجية أوسع، وعودة الهويات الطائفية بوصفها أدوات نجاة جماعية. حينها لن يتم تسجيل انتصار للدولة لأنه معها ستنهار فكرة الدولة نفسها.
إن التجارب اللبنانية أكدت لنا أن الجماعات الطائفية لا ولن تتخلى عن مصادر حمايتها بالقوة، والتخلي يحصل حين تقتنع هذه الجماعات بوجود بديل أكثر أمناً واستقراراً، وعليه فإن مستقبل الدولة اللبنانية لا يرتبط بقدرتها على تحدي جزء من مجتمعها، بل يتم ترجمته عبر بناء عامل الثقة الذي يجعل من الحاجة إلى الراعي الخارجي أقل إلحاحاً.
مشهد الأهالي العائدين إلى الجنوب تحت رايات المقاومة يحمل مؤشرات على استمرار الإيمان الشعبي لدى جزء من البيئة الحاضنة بمشروع حزب الله السياسي، لكنه ليس دليلاً على فشل مشروع قيامة الدولة، لأن بناء الدولة لا يتحقق عبر استعداء جماعة اجتماعية واسعة أو تجاهل هواجسها وهويتها الجماعية، بل عبر إدماجها في مشروع وطني مشترك.
ما يحصل خلال العودة اليوم هو مرآة تعكس الأزمة اللبنانية بأكملها، فلدينا دولة موجودة قانونياً لكنها لم تنجح بعد في أن تصبح مصدر الولاء الأول لمواطنيها. إن السؤال الحقيقي اليوم، ليس لماذا رفع بعض العائدين أعلام إيران وحزب الله، بل لماذا ما زالت الدولة اللبنانية عاجزة عن أن تجعل علمها وحده كافياً لتأمين شعور مواطنيها بالأمان والانتماء والمعنى.
إن رفع أعلام غير لبنانية في قلب الأرض اللبنانية لا يعكس فقط قوة تلك الرموز في الوجدان الجمعي للعائدين، بل يكشف أن قوة الانتماء الوطني لا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة، بل بمدى قدرة الدولة على جعل علمها هو التعبير الطبيعي عن الأمان والعدالة والانتماء.
المشكلة في لبنان ليست في تعدد الرايات بقدر ما هي عجز الدولة، التي لم تستطع تحويل نفسها إلى الدولة الراعية التي تجمع حول رايتها كل الجماعات بحيث لا يشعر أي مواطن بالحاجة إلى رفع راية أخرى تنافسها أو تحل محلها.