اوراق مختارة

الحرب على إيران تكشف تصدّع النظام الذي صنعه الغرب

post-img

كمال جعفر/جريدة الأخبار

الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران تمثل اليوم لحظة اختبار تاريخي للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. هذه الحرب تقع عند تقاطع عدة أطروحات فكرية كبرى في الفكر السياسي المعاصر.

في تحليله لتاريخ الغرب الحديث يذهب إيمانويل تود في كتابه «هزيمة الغرب» إلى ان الأزمة التي يعيشها الغرب ليست أزمة قوة عسكرية او تكنولوجية، إنما أزمة بنيوية في المجتمع نفسه. فالغرب بحسب تود يعاني من تآكل القاعدة الاجتماعية التي صنعت تفوقه التاريخي، أي تراجع التعليم الجماهيري أو الجماعي، تفكك البنى العائلية، واهتزاز الشرعية الديمقراطية. ووفق هذا المنظور فان الحروب التي يخوضها الغرب في هذه المرحلة لا تعبر عن ثقة بالقوة بقدر ما تعبر عن ما يسمى «قلق الانحدار» أي أنّ الحرب تصبح أداةً لإعادة انتاج الهيمنة حين تتآكل أسسها من الداخل.

هذا التشخيص يلتقي بشكل غير مباشر مع التحليل الواقعي الذي يقدمه جون ميرشايمر، ففي نظريته المعروفة بـ«الواقعية الهجومية» يرى ميرشايمر أنّ القوى العظمى تسعى دائمًا إلى منع ظهور منافسين إقليميين قادرين على تهديد ميزان القوى العالمي. ومن هذه الزاوية فإن إيران تُمثل في نظر واشنطن وتل ابيب مركز قوة إقليمي قادر على إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. لذلك تصبح الحرب في المنطق الواقعي محاولة لإبقاء المنطقة ضمن بنية الهيمنة الأمريكية ومنع ظهور نظام إقليمي مستقل.

إلا أنّ هذا البعد الواقعي ليس أو لا يعمل وحده، بل يتقاطع مع منطق اقتصادي وسياسي أعمق، وهو ما عبرت عنه نعومي كلاين في كتابها عقيدة الصدمة، فبحسب كلاين غالبًا ما تستخدم الحروب والأزمات الكبرى من اجل إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والسياسي وفق مصالح النخبة الحاكمة. الصدمة الجماعية التي ارادها الأمريكي في إيران تخلق باعتقاده لحظة يمكن فيها تمرير سياسات لم يكن من الممكن فرضها في الظروف العادية وخلال المفاوضات النووية وهذا ما أرادته الولايات المتحدة الأمريكية في الضربة الافتتاحية الصادمة.

غير أنّ فهم هذه الحرب يبقى ناقصًا ما لم تقرأ بشكل عميق وجذري من جانب الفكر السياسي الإسلامي الذي تمثله الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي تشكل خلال القرن العشرين. العالم والمفكر الشهيد محمد باقر الصدر كان من أوائل من قدموا تفسيرًا فكريًا للصراع مع الغرب بحيث اعتبره صراعًا بين نموذجين حضاريين: نموذج مادي رأسمالي ونموذج إسلامي يسعى لبناء نظام اجتماعي وأخلاقي مختلف. واعتبر أنّ هيمنة النظام الرأسمالي ليس قدرًا تاريخيًا دائمًا إنما مرحلة قد تتعرض للاهتزاز عندما تظهر نماذج بديلة قادرة على الصمود، وهذا ما نراه اليوم أقرب إلى التحقق في صمود ايران الإسلامية.

الحرب على إيران لا تتمظهر على شكل او مجرد مواجهة عسكرية إنما تمثل لحظة تَكشف التحول العميق في بنية النظام العالمي

أما الامام الخميني، فقد نقل هذا التصور من المجال الفكري إلى المجال العملي والميداني الواقعي. فالثورة الإسلامية عام 1979 مثلت تحولًا كبيرًا في إيران، وانتقلت إلى ان تكون مشروعًا لكسر البنية الدولية التي أخضعت المنطقة لنفوذ القوى الكبرى، ومن هنا جاء مفهوم الاستكبار العالمي الذي استخدمه الامام الخميني لوصف منظومة الهيمنة الغربية.

إذا جُمعت هذه القراءات المختلفة أي الغربية والإسلامية تكشف أنّ الحرب على إيران لا تتمظهر على شكل او مجرد مواجهة عسكرية إنما تمثل لحظة تَكشف التحول العميق في بنية النظام العالمي الذي قاده الغرب طوال العقود الماضية، والذي شارف على الأفول لصالح نماذج جديدة قد لا تكون مكتشفة بعد وهي ان كانت لا تزال تحتاج لسنوات لتتبلور، فان هذه المواجهة أسهمت بدفعها إلى الواجهة بسرعة قياسية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد