صفاء صلال (صحيفة الأخبار)
لا شيء يشير إلى اقتراب الرحلة من نهايتها والوصول سوى لافتة عليها: «النبي شيت ترحّب بكم»، لتعلن نهاية رحلة استمرت ساعة ونصف ساعة من بيروت. الطريق إلى البلدة لا يبدو محفوفاً بالخطر، إنّما الخطر يحوم فوق النبي شيت على شكل طيران حربي إسرائيلي معادي، ومسيّرات لا تفارق السماء، كأنّ العدوان لم يغادر المكان، بل بدّل شكله فقط. ولكن على الرغم من التهديد، الحياة في النبي شيت مستمرة، وبكلّ أشكالها.
في ساحة البلدة كلّ شيء يشير إلى ورشة إعادة الإعمار، إذ تختلط أصوات السيارات بأصوات الـ«توك توك»، الوسيلة التي يعتمد عليها الأهالي للصعود إلى بيوتهم عبر الزواريب الجبلية الضيّقة. وعلى أطراف الساحة 3 أكشاك صغيرة لبيع القهوة، كأنها إعلان يومي بأن الحياة مستمرة. وعلى الجهة المقابلة، محلّ يعيد صاحبه تركيب قفل الباب الزجاجي استعداداً لفتحه من جديد، بعدما دمّرته الغارات الإسرائيلية. في الوسط، حجارة من اسمنت مكدّسة وشاحنات صغيرة تنقل مواد البناء لترميم عدد من المحال والبيوت. هنا، لا تنتظر البلدة بياناً رسمياً يحدّد موعد العودة وشكلها، بل تعود بما تيسّر.
المختار: الحجر يُبنى
من على شرفته المتضررة بفعل الغارات، يطلّ مختار النبي شيت وهبي الموسوي يلوّح بيده ويدعونا إلى القهوة: «تفضّلوا اشربوا قهوة». نصعد الدرجات إلى منزله، ونجلس على شرفة فقدت جزءاً من حائطها. الغرف المجاورة تحمل آثار الضربة نفسها. وضع المختار أريكة في المكان، لا ليستريح، بل ليراقب بلدته وهي تلملم نفسها.
يقول لـ«الأخبار»: «الحجر ينبنى وبتعمر». ثم يضيف، بما يشبه خلاصة ما يقوله الأهالي هنا: «كرامتنا وعرضنا فوق الحجر وفوق كل شيء». دخل الموسوي عامه السادس عشر مختاراً للبلدة، ولا يرى في موقعه وظيفة إدارية فقط، بل «عملاً إنسانياً وخدمة للمجتمع». وعن أهل النبي شيت يقول إنهم «مترابطون ومتماسكون»، وإن الإنزال الإسرائيلي «فشل بسبب يقظتهم».
«نحب الحياة بعزّ وكرامة»
تضرّر منزل حسن الموسوي، 56 عاماً، بفعل الغارات التي تلت الإنزال الإسرائيلي. لجأ موقتاً إلى «بيت جاري»، إلى أن تمكّن من ترميم منزله والعودة إليه. بالنسبة إليه، لم تكن العودة قراراً فردياً، بل جزءاً من سلوك جماعي: «أهل النبي شيت تعاونوا مع بعضهم لإعادة الحياة إلى البلدة بعد الخراب الذي خلّفه العدو».
يقول الرجل إن الحياة اليوم «طبيعية»، لكن «عيننا وقلبنا في الجنوب». وحين يُسأل عن سرعة الترميم والعودة، يجيب: «نحن منحب الحياة بطريقتنا، بعزّ وكرامة». لا يبدو خائفاً من احتمال تكرار الإنزال: «مش واردة». وإن تكرّر؟ «ما بترك. هي أرضي، خلقت فيها وبموت فيها. لمين بدي اتركها؟».
الخياطة أولاً
على بُعد خطوات من الساحة، تجلس أحلام مبارك خلف مقعد خشبي في حانوت صغير. تصلح الملابس وتخيط ما يحتاجه الزبائن. فتحت محلّها بعد ليلة الإنزال مباشرة. رتّبت المكان، أصلحت واجهته الزجاجية، وعادت إلى عملها. تقول: «إذا سكّرنا المحل، الحياة بتوقف. ونحنا بدنا نعيش ونكمّل». بالنسبة إليها، ليست الخياطة مجرّد مهنة. في بلدة خرجت من تحت الغارات، تصبح إبرة الخياطة فعلاً من أفعال البقاء. تقولها ببساطة: «الخياطة مقاومة».
ليلة واحدة بكثافة حرب
يقول رئيس اتحاد بلديات شرق بعلبك، المهندس علي شكر، إن ليلة واحدة من الغارات المتواصلة على النبي شيت والقرى المجاورة عادلت، في كثافتها، ما شهدته المنطقة خلال حرب عام 2024. وتقول مصادر عسكرية لـ«الأخبار» إن مجمل الغارات الإسرائيلية التي طاولت المنطقة ليلة الإنزال بلغ 59 غارة.
وفق شكر، دمّرت الغارات كلياً وجزئياً نحو ألف وحدة سكنية. ولم تقف الأضرار عند البيوت. فموقع النبي شيت المحوري جعل الخدمات في القرى المجاورة تتأثر أيضاً. توزّعت الخسائر على ثلاثة مستويات: سكنية، تجارية، ومؤسسات اقتصادية وبنى تحتية، من الطرقات إلى كابلات التوتر العادي. لذلك، يقول شكر: «رفعنا حالة الطوارئ من أجل تأمين استجابة سريعة وتلبية حاجات المواطنين».
«نفاوض على طريقتنا»
يرى الصحافي هادي شكر، أن سكان النبي شيت «يفاوضون على طريقتهم». لا يفاوضون عبر السياسة وحدها، ولا بالسلاح وحده، بل من خلال بقائهم في البلدة واستمرار حياتهم فيها، رغم التهديدات الإسرائيلية المتواصلة. شكر، الذي كان شاهداً على الإنزال الإسرائيلي قرب منزله، يقول إن الأهالي يعيشون حالة «ترقّب» يومية. لكنها لا تدفعهم إلى الرحيل. لا يلغون مواعيدهم، لا يقفلون محالهم، ولا يتخلّون عن تفاصيل حياتهم. في مكان كهذا، يصبح البقاء موقفاً، والعودة اليومية إلى العمل إعلاناً سياسياً غير مكتوب.