جزين تَسلم من الحرب... ولا تَنجو من تداعياتها

post-img

رضا صوايا (صحيفة الأخبار)

بقيت جزين خارج دائرة الاعتداءات الإسرائيلية. لكنّ الجغرافيا كانت كافية لتفرض عليها واقعاً اقتصادياً قاسياً. فالمدينة وجوارها، اللذان لطالما شكّلا ملاذاً صيفياً لعشرات آلاف المقيمين والمغتربين، يدفعان اليوم ثمن موقعهما، بعدما بات كثيرون يتجنبون التوجه إليهما، بفعل المخاوف الأمنية والنفسية المرتبطة بالحرب، ولا سيما مع تكرار استهداف السيارات على أوتوستراد الجنوب، وتحليق المُسيّرات فوقه بشكل دائم.

لم تعد الأزمة في جزين مرتبطة بالواقع الأمني المباشر، بل بصورة ذهنية ترسّخت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، مفادها أن كل ما يقع جنوب بيروت أصبح منطقة غير آمنة. هذه الصورة انعكست انهياراً في الحركة السياحية، وإلغاءً للحجوزات والأعراس، وتراجعاً في الاستهلاك، لتجد المؤسسات السياحية والإنتاجية نفسها في مواجهة موسم يكاد يكون الأسوأ منذ سنوات، رغم أن المدينة والقرى المحيطة بها بقيت بمنأى عن الاستهداف.

يقول صاحب مشروع «L›etoile du Loup»، دياب عون، إن «الموسم مضروب بنسبة 95%، والناس يتجنبون زيارة المنطقة بسبب موقعها الجغرافي، رغم أنها آمنة وبعيدة عن الاستهدافات». ويلفت إلى أن «الحركة السياحية توقفت بالكامل وألغيت العديد من الأعراس والحجوزات». هذه المعطيات دفعته إلى صرف العاملين لديه والإبقاء على موظف واحد فقط.

ويؤكد عون أن ما أصاب الجنوب انعكس مباشرة على جزين. فـ«الدمار الواسع والنزوح الكبير حرما المنطقة من جزء أساسي من زوارها الذين كانوا يقصدونها من البلدات الجنوبية المجاورة، سواء من المقيمين أو المغتربين، فيما غاب مغتربو جزين الذين يشكّل حضورهم ركيزة أساسية للموسم الصيفي».

الصورة نفسها يرسمها مدير مشروع «La Maison de la Forêt» في بكاسين، حسين منصور، الذي يؤكد أن السياحة في جزين «باتت صفراً، رغم أن المنطقة تبعد نحو خمسين كيلومتراً عن الحدود». ويوضح أن «إحدى المشاكل الأساسية تتمثّل في المخاوف التي ولّدتها الحرب، ولا سيما بعد استهداف السيارات على أوتوستراد الجنوب أكثر من مرة، ما دفع الكثير من اللبنانيين إلى إلغاء فكرة التوجه جنوباً».

ويشير منصور إلى أن المؤشرات كانت واعدة في بداية الموسم، إذ «كانت حجوزات شهر حزيران شبه مكتملة في عطلات نهاية الأسبوع، مع نسبة إشغال مرتفعة خلال باقي أيام الأسبوع أيضاً. لكن اعتباراً من شهر نيسان بدأت موجة الإلغاءات، وتأجّلت أعراس وحجوزات إلى أيلول أملاً بتحسن الأوضاع، قبل أن تُلغى مجدداً مع استمرار الضبابية الأمنية».

ولا يقتصر تأثير الحرب، بحسب منصور، على العامل الأمني فقط، بل يمتد إلى الواقع الاقتصادي. فـ«الجنوبيون الذين كانوا يشكّلون نسبة كبيرة من زوار المنطقة يعيشون اليوم مأساة النزوح والخسائر، فيما تراجعت القدرة الشرائية للبنانيين عموماً مع ارتفاع كلفة المعيشة، الأمر الذي انعكس انخفاضاً واضحاً في الإنفاق السياحي عاماً بعد عام. كما غاب مغتربو المنطقة، ما زاد من حجم الخسائر. ورغم ارتفاع الكلفة التشغيلية، أبقت المؤسسة أسعارها عند مستوى منتصف الموسم» في محاولة لجذب الزوار، لكن ذلك لم ينجح في تعويض الغياب الكبير.

أمّا صاحب مشروع «Blue Jay Valley»، زاهي الطويل، فيشرح أن الاعتماد الأساسي كان دائماً على الزوار القادمين من مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى المغتربين، إلا أن هؤلاء غابوا هذا العام بصورة كبيرة، ما جعل «نسبة العمل لا تتجاوز 40% من المُعدّلات المعتادة». ويلفت إلى أن «الكثير من الحجوزات ألغيت، حتى إن العديد من أبناء جزين المقيمين في بيروت فضّلوا تأجيل زياراتهم بسبب القلق من الطريق والأوضاع الأمنية».

ويحذّر الطويل من أن الأزمة لن تنتهي مع انتهاء الصيف، بل ستُلقي بثقلها على الموسم الشتوي أيضاً. فـ«المؤسسات السياحية تعتمد عادة على مداخيل الصيف لتغطية نفقات الشتاء، من رواتب الموظفين إلى المصاريف التشغيلية، ما يعني أن الخسائر الحالية ستنعكس على الأشهر المقبلة، وقد تهدّد استمرارية عدد من المشاريع».

ولم تسلم القطاعات الإنتاجية بدورها من تداعيات الحرب. ويوضح مدير شركة «J.Grove» المتخصّصة في صناعة المونة الطبيعية، عصام بو راشد، أن «آلاف النازحين استقرّوا في جزين، لكن الظروف هذه المرة تختلف عن موجات النزوح السابقة حين ساهم النازحون في تنشيط الحركة الاقتصادية. فالكثيرون وصلوا بعدما فقدوا كل شيء، فيما استنزف آخرون مُدّخراتهم في إعادة إعمار منازلهم بعد وقف إطلاق النار السابق، ما جعل قدرتهم الشرائية أضعف من السابق».

ويشرح بو راشد أن الحرب أثّرت على العمل الزراعي. فـ«الشركة تعتمد على التعاون مع أصحاب البساتين الذين يتولون الاهتمام بأراضيهم، بينما تتكفّل هي بقطاف المحاصيل وتصنيعها. إلا أن كثيراً من أصحاب الأراضي امتنعوا عن التوجه إلى بساتينهم بسبب القلق، رغم أن المنطقة لم تشهد أي استهداف مباشر، فيما فضّل آخرون ممن يقيمون في بيروت عدم الحضور، الأمر الذي حمّل الشركة أعباءً إضافية وكلفة تشغيلية أكبر».

ويضيف أن المصاريف ارتفعت في وقت تراجعت فيه المبيعات بشكل حادّ، مع تعطّل التصدير إلى الخارج أيضاً، بسبب أزمة الشحن. فـ«في أوقات الحرب، يتغيّر سلوك المستهلك، ويتحوّل الإنفاق إلى أولويات الطوارئ، إذ يسعى الناس إلى تأمين أكبر كمية ممكنة من المواد الغذائية الأساسية بأقل كلفة، بينما يتراجع الطلب على المُنتجات الصحية، كما تلك التي نصنعها، مهما بلغت جودتها».

هكذا، تبدو جزين اليوم نموذجاً لمنطقة لم تصبها الحرب عسكرياً، لكنها تلقّت ضربة اقتصادية قاسية. فالخوف سبق الزوار، وأفرغ المؤسسات السياحية من روادها، فيما امتدّت التداعيات إلى الزراعة والإنتاج المحلي. وبين غياب المغتربين، وتراجع السياحة الداخلية، وانكماش القدرة الشرائية، تخوض المدينة معركة الحفاظ على اقتصادها المحلي، في انتظار أن تستقر الأحوال ويستعيد اللبنانيون ثقتهم بالطريق المؤدّية إلى واحدة من أجمل مناطق لبنان.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد