«الأسواق المالية» خطّ دفاع جديد عن المصارف

post-img

محمد وهبة (صحيفة الأخبار)

تدرس هيئة الأسواق المالية تحويل التداول في بورصة بيروت إلى «الفريش»، لكنّ الأمر يتطلّب «إنقاذ» المصارف، أيضاً، من التداعيات والكلفة. لذا، طلبت من المؤسسات المالية بما فيها المصارف، تزويدها برؤيتها للحلّ من خلال إجراء تقييم يتضمّن الإجابة على مجموعة أسئلة، وأبلغها نائب رئيس الهيئة محمود جباعي، أن الهيئة ترحّب بأي اقتراحات. فالنظام المالي في لبنان، ورغم إفلاسه ما زال يعمل لمصلحة المصارف ويعمل من أجلها حصراً، وكأن كل الخسائر التي أصابت المجتمع بسبب غيلان المصارف لم ترتقِ إلى مستوى الاعتراف بها في الحدّ الأدنى.

في 20 تموز الماضي، وجّهت هيئة الأسواق المالية، التي يرأسها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، كتباً إلى المصارف وسائر المؤسسات المالية، لإبلاغها بنيتها الانتقال في سوق التداولات في بورصة بيروت، إلى التسوية على أساس الدولار النقدي «الفريش» بدلاً من النظام الحالي القائم على الدولار المصرفي. وتُقِرّ الهيئة بأن نظام الدولار المصرفي هو «عملة افتراضية» تؤدّي إلى إضعاف السوق وفصل الأوراق المالية المُدرجة في البورصة عن أسسها الاقتصادية الحقيقية، ويُربِك الأسعار، ويمنع ثقة المستثمرين بالسوق. وتشير الهيئة إلى أن هذه الخطوة ضرورية لتوحيد السوق بعدما أصبحت كل عمليات التسوية المالية في أنظمة الدفع بالدولار النقدي ما عدا التداولات على البورصة.

لكن الهيئة تدرك أن الانتقال إلى هذه الخطوة سيمسّ القطاع المصرفي ويكبّده خسائر. فهناك عدد من المصارف لديه أسهم مُدرجة في البورصة، وهناك عدد آخر يملك أسهماً لشركات أخرى مُدرجة في البورصة. مثلاً، هناك مصارف تحمل أسهماً لشركة سوليدير، وهناك خمسة مصارف هي بنك عودة، بلوم بنك، بنك بيبلوس، بنك بيروت، بي أل سي، وبيمون أدرجت أسهمها في بورصة بيروت. لذا تطلب الهيئة تحديد أثر الانتقال إلى الدولار النقدي على كل هؤلاء، من خلال خمس نقاط أساسية:

- الأثر المتوقّع على سعر سهم الشركة المُدرج عند اعتماد التداول بالدولار النقدي.

- الانعكاسات المترتّبة على حقوق الملكية والقيمة الدفترية المُعلنة للمصارف.

- كيفية معالجة هذه الآثار وعرضها في الميزانية العمومية للمصرف.

- أي تغيّر جوهري يتوقّعه المصرف في ما يتعلق بأسهمه المُدرجة (إن وُجدت) نتيجة هذا الانتقال، بما في ذلك ما إذا كان المصرف يدرس اتخاذ أي إجراء مؤسسي ذي صلة.

- التوقيت الأفضل لاعتماد التداول والتسوية بالدولار الأميركي النقدي.

وفي النهاية يقول الكتاب الموجّه من جباعي: «ترحّب الهيئة بتلقّي رأي مؤسستكم بأي صيغة تعكس التقييم الداخلي على أفضل وجه، سواء كان ذلك في شكل مذكّرة بحثية أو دراسة داخلية. وستولي الهيئة هذه المساهمات العناية اللازمة عند وضع الإطار النهائي لتنفيذ هذا الانتقال». استنفرت المصارف إثر هذا الكتاب، لكنّ موقفها لم يكن سلبياً، بل كان إيجابياً، لأنه يضمن لها محاباة واضحة من هيئة الأسواق المالية. فالمشكلة التي ستنتج من انتقال كهذا، من التعامل من عملة وهمية اسمها الدولار المصرفي، إلى العملة الحقيقية بالدولار النقدي، ستكون عويصة على المصارف.

فالأثر الممكن على سعر سهم المصرف المُدرج في بورصة بيروت سيعكس حقيقة تسعير المصارف المُفلِسة، وذلك ربطاً بأن سعر الدولار النقدي يساوي 16% من سعر الدولار المصرفي. لنفرض أن السعر المُسجّل في البورصة لسهم مصرف لبنان يبلغ 5 دولارات، سيصبح سعره فوراً وبلحظة واحدة 8 سنتات، وبالتالي فإن مجموع الأسهم يعكس حقيقة ما تبقّى من رأس المال لدى المصرف ومساره المستقبلي نحو مزيد من الانحدار. أمّا في ما يتعلق بسعر سهم سوليدير، فسينخفض من 70 دولاراً إلى 11.2 دولاراً.

هذا التراجع في سعر السهم يعكس السعر الحقيقي لقيمته، من دون أن يعكس القيمة الفعلية للأصول. فهناك الكثير من المصارف لديها أصول قائمة في ميزانياتها رغم أن قيمة الالتزامات المترتّبة عليها أكبر بكثير. بينما لدى سوليدير ستكون هناك حالة مختلفة، إذ إن أصولها العقارية أكبر من التزاماتها، لكن سعرها سيعاني من نقص السيولة. فهناك الكثير من حملة السهم يرغبون في البيع وتسييله ربطاً بحاجاتهم المالية، ما يعني أن عرض البيع على السهم سيكون أكبر من الطلب عليه، وهو ما سيضغط على السعر نزولاً. وهذا يعني، أنه ليس بالضرورة أن تكون لعبة البورصة ترجمة للقيمة الحقيقية، إلا ضمن المدى الأطول.

وليست هذه ستكون المشكلة الوحيدة التي ستواجه المصارف. فالمصارف التي تحمل في محافظها أسهماً لشركات مُدرجة في البورصة، ستضطر إلى إعادة تسعيرها على السعر الرسمي للدولار، أي 89500 ليرة وسطياً مقابل الدولار الواحد. بمعنى أوضح، إذا كان مصرف ما يحمل سهم سوليدير، أو أي سهم آخر يتداوله على البورصة حيث تبلغ قيمته الفعلية 15000 ليرة مقابل الدولار، فإن تسعيره بقيمة 89500 ليرة سيرتّب عليه خسائر تضاف إلى الخسائر الأخرى في ميزانيته. الخسائر هي الفرق بين السعرين، أي 74500 ليرة مقابل كل دولار.

وهذا الأمر هو ما دفع الحاكم وهيئة الأسواق المالية إلى البحث عن مخرج للمصارف. بحسب المعلومات المتداولة بين المصرفيين، فإن الاقتراحات تُراوِح بين خيار نقل التسعير مباشرة إلى 16% مما هو عليه الآن وترك السوق يتفاعل ليصل إلى السعر الفعلي للسهم، أو تحويل الدولار المصرفي بما يساوي الدولار النقدي وبالتالي لن يشتري أحد السهم ويتراجع سعره ليصل إلى سعر التوازن، أو اتخاذ إجراءات لحماية ميزانيات المصارف من هذا الأمر من دون تحديد نوع الحماية المطلوبة.

حتى الآن، من الواضح أن المصارف ستكون لها الكلمة النهائية في هذه المسألة، وأن هيئة الأسواق المالية مجرّد صورة تنفيذية على شاكلة الحاكم الذي يرعى مصالح المصارف.

«المركزي» مُصاب بانفصام سعر الصرف

يبدو أن مشكلة الانتقال من نظام الدولار المصرفي في بورصة بيروت إلى نظام الدولار النقدي بهدف «توحيد سعر الصرف» لن تكون محصورة بتداولات البورصة، فالمشكلة الأساسية منبعها مصرف لبنان الذي قرّر أن يسعّر الدولار بالسعر السوقي في آب 2023، لكنه ترك سعراً آخر للدولار بينه وبين المصارف من جهة، وبين المصارف وزبائنها من المودعين من جهة ثانية، وهو سعر الـ15000 ليرة مقابل الدولار.

والواقع، أن هذا السعر الأخير لم يُلغَ في إطار السعي لتوحيد سعر الصرف في لبنان، بل كانت عملية التوحيد كلاماً فارغاً من مصرف لبنان والحكومة لأن سعر ما يُسمّى الدولار المصرفي أو اللولار ما زال قائماً بشكل ظاهر في العمليات التي تجري بين المصارف ومصرف لبنان والمودعين، وإن كانت الميزانيات تسعّر كل الدولارات لدى مصرف لبنان والمصارف بالسعر الرسمي المُعتمد من الأخير وهو 89500 ليرة للدولار. الانفصام الذي يعانيه مصرف لبنان بشأن سعر الصرف ليس سوى تعبير واضح عن استمرار الأزمة وعجز الأطراف المسؤولة عن التعامل معها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد