أديب إسماعيل محفوض (صحيفة الأخبار)
يُطرح مفهوم السيادة في الأدبيات السياسية اللبنانية المعاصرة كأنه نص منجز أو قداسة قانونية تكفي المناداة بها لتحقيقها، بينما يكشف الواقع الجيوسياسي، خصوصاً في ذروة المواجهات عام 2026، أن السيادة في هذا الجزء من العالم هي استحقاق مادي يُنتزع ولا يُستجدى. تبرز الإشكالية الكبرى هنا في ما يمكن تسميته «السيادة المستحيلة»؛ وهي تلك الصيغة التي تحاول واشنطن فرضها على لبنان، حيث يُطالب البلد بفرض سلطة الدولة على كامل ترابه، بينما تُسلب منه عمداً ومنهجياً كل أدوات القوة التي تمكنه من ردع المعتدي الإسرائيلي. هذا التناقض يضع الدولة اللبنانية أمام مأزق الوصاية التي تريد أمناً للعدو تحت مسمى «سيادة لبنان».
أولاً: تفكيك فلسفة الوصاية وهندسة الضعف
تعتمد السياسة الأمريكية تجاه لبنان على استراتيجية «الإبقاء على الحافة»؛ فمن جهة، تُغرق الساحة اللبنانية بخطاب دعم المؤسسات العسكرية، ومن جهة أخرى، تفرض فيتو صارماً وغير معلن على تزويد الجيش اللبناني بأي سلاح كاسر للتوازن، وتحديداً منظومات الدفاع الجوي والرادارات المتطورة والصواريخ الدقيقة. هذا السلوك ليس نتاج بخل عسكري، بل هو هندسة ضعف مقصودة تهدف إلى إبقاء الأجواء والبر والبحر اللبنانية منطقة عمليات مفتوحة لسلاح الجو الإسرائيلي.
عندما تُحرم الدولة من امتلاك أنياب دفاعية، تصبح دعوتها لممارسة سيادتها مجرد دعوة لشرعنة الانكشاف الاستراتيجي. هنا يكمن مأزق الوصاية؛ فهي تريد لبنان دولة ورقية تمتلك مكاتب وسفارات وعضوية في الأمم المتحدة، لكنها تفتقر إلى إرادة الفعل الدفاعي. في ظل هذا الفراغ المتعمّد، لم تعد المقاومة مجرد خيار أيديولوجي، بل استحالت لتصبح ضرورة بنيوية وُلدت من رحم حاجة الأرض للدفاع عنها حين قررت المنظومة الدولية أن يكون لبنان بلداً بلا مخالب.
ثانياً: التحلل الدولي وقصور الأدوات القانونية
يمثل القرار 1701 نموذجاً مثالياً لكيفية تطويع القانون الدولي لخدمة القوي. فمنذ عام 2006 وحتى اللحظة، تعاملت واشنطن وتل أبيب مع هذا القرار بـانتقائية وظيفية؛ فهو قيد ملزم للبنان وحده، بينما هو توصية غير ملزمة لإسرائيل التي سجلت الآلاف من الخروقات الموثقة. إن النظام الدولي الذي يتباكى اليوم على تطبيق الـ 1701 هو النظام ذاته الذي يراقب بصمت تحول سماء لبنان إلى ممر دائم للاعتداءات على سوريا واستهداف الداخل اللبناني.
يتجلى تحلل النظام الدولي في عجز مجلس الأمن عن فرض أي عقوبة أو حتى إدانة جدية للانتهاكات الصهيونية، مما أسقط هيبة الشرعية الدولية في الوجدان الشعبي اللبناني. القانون الدولي في غياب القوة الرادعة ليس سوى حبر على ورق يُستخدم لتشريع هزيمة الضعيف. المقاومة، في هذا السياق، تؤدي دور الحارس الفعلي لجوهر السيادة؛ فهي القوة التي تمنح القرار الدولي قيمته حين تجعل خرق السيادة اللبنانية مكلفاً للعدو. السيادة لا تتحقق بنصوص تُكتب في نيويورك، بل بتوازن رعب يُصاغ على جبهات الجنوب والبقاع.
ثالثاً: المقاومة كآلية حماية وجودية
يجب مقاربة دور المقاومة في لبنان كآلية حماية وجودية فرضتها اللحظة التاريخية وبؤس السياسة الدولية. إنها تؤدي وظيفة الدفاع الوطني في ظل غياب استراتيجية دفاعية رسمية قادرة على مواجهة جيش مدجج بأحدث التقنيات الأمريكية. التمسك بسلاح المقاومة اليوم ليس رغبة في خلق دولة داخل دولة، بل هو وعي عميق بأن التفريط بهذا السلاح قبل وضع استراتيجية دفاع وطني جدية وعملية تمتلك فيها الدولة اللبنانية منظومات ردع مستقلة، هو دعوة مفتوحة للعدو الصهيوني لاستباحة لبنان مجدداً.
المقاومة هنا هي المظلّة التي تحمي الكيان بانتظار ولادة «الدولة القادرة». إنها تمنع العدو من تحويل القرى الحدودية إلى «حزام أمني» وتعطل أطماعه في الثروات النفطية والغازية، فهي التي حالت وتحول دون استباحة البلد من قبل العدو الإسرائيلي، ولا ينفي هذه الخلاصة ما اقدمت عليه إسرائيل من اعتداءات خلال الفترة الممتدة من 27\11\2024 حتّى مطلع آذار 2026، بل يؤكّده. هذا الدور ينطلق من منطلق وطني بحت؛ فحماية حدود لبنان واستقلاله هي المهمة الأولى والأخيرة. والذين يطالبون بنزع السلاح تحت شعار «السيادة» لا يقدمون بديلاً عملياً يحمي طفلاً في قرية حدودية من غارة إسرائيلية، مما يجعل خطابهم أقرب إلى «سيادة الاستسلام» منه إلى السيادة الحقيقية.
رابعاً: الأدوات المحلية «وعي التبعية» وصراع الهوية
لا يمكن إغفال دور بعض القوى اللبنانية التي تسير في الفلك الأمريكي، متبنيةً خطاب السيادة كغطاء لمشروع «الإلحاق». هؤلاء يروجون لفكرة أن مشكلة لبنان تكمن في وجود قوة قتالية ترفض الهيمنة، بينما يتجاهلون أن المشكلة الحقيقية تكمن في الارتهان لقرارات خارجيّة. هؤلاء يطرحون سيادة منزوعة الدسم، سيادة تكتفي بالعَلَم والنشيد الوطني بينما تُسلم مفاتيح الأمن القومي للوسيط الأمريكي الذي هو في الحقيقة طرف أصيل في العدوان.
المقارنة التاريخية مع اتفاق 17 أيار 1983 توضح هذا المسار؛ حينها حاولت قوى لبنانية، بدفع أمريكي، فرض «سلام المذلة» الذي كان سيعني تحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية. المقاومة هي التي أسقطت ذلك الاتفاق وأعادت للبنان هويته كوطن حر. واليوم، يعاد إنتاج المشهد ضمن استراتيجية الكماشة؛ حيث تشن إسرائيل عدواناً عسكرياً شاملاً لفرض أهدافها الميدانية وانتزاع مكاسب سياسية بالقوة، بالتوازي مع توظيف الضغوط المالية والاقتصادية كأداة ابتزاز سيادي تهدف إلى مقايضة اللبنانيين على أمنهم الوجودي وثوابتهم الدفاعية. إن الرهان على أن الضعف سيجلب الاستقرار هو رهان أثبت التاريخ فشله؛ فإسرائيل لا تحترم الضعفاء، والسيادة التي لا يحميها بأس الميدان هي محض وهم يتبدد عند أول اختبار استراتيجي.
خامساً: معادلات الاقتدار الذاتي في زمن التعددية القطبية
في الوقت الراهن، يشهد العالم تحولاً نحو تعددية قطبية تكسر الأحادية الأمريكية. هذا التحول يعطي لبنان فرصة تاريخية للفكاك من مأزق الوصاية. معادلات الاقتدار الذاتي التي صاغتها المقاومة لم تعد تكتيكية، بل أصبحت جزءاً من ميزان القوى الإقليمي. إن قدرة لبنان على فرض توازن الرعب هي التي تمنع العدو من تنفيذ مخططات الاحتلال والسيطرة والتهجير والتغيير الديموغرافي.
الاقتدار الذاتي يعني بالضرورة:
تحرير الإرادة الدفاعية وتأميم القرار السيادي: تجاوز مفهوم القرار الدفاعي مجرد اختيار توقيت الرد، ليصبح تعبيراً عن الاستقلال الاستراتيجي الناجز. يعني ذلك كسر احتكار القوى الخارجية لتعريف التهديدات القومية للبنان، ورفض الانصياع لـلخطوط الحمراء التي تُرسم في واشنطن لحماية أمن الاحتلال وتفوقه العسكري. السيادة الحقيقية تقتضي أن ينبع قرار السلم والحرب من تقدير مصلحة الوجود الوطني، لا من كواليس الصفقات الدولية التي تهدف دائماً إلى إبقاء لبنان في حالة تلقي الضربات دون امتلاك حق الردع الفعال.
التكامل العضوي والتعويض الدفاعي النوعي: تجاوز النظرة التقليدية للمقاومة كـفائض قوة، نحو اعتبارها تعويضاً استراتيجياً نوعياً عن الفجوة العسكرية المفروضة دولياً على الجيش اللبناني. يفرض الاقتدار الذاتي بناء هيكل دفاعي هجين يزاوج بين العقيدة العسكرية النظامية وبين تكتيكات الحرب غير المتماثلة التي تتقنها المقاومة. هذا التكامل يكسر مفاعيل الحصار المفروض على تسليح الجيش، ويحوّل الضعف الكمي إلى قوّة نوعية تجعل من غزو لبنان أو استباحته مغامرة ذات كلفة تدميرية تفوق مكاسب العدو، مما يؤسس لمفهوم «الجيش القادر» الذي يرتكز على سواعد أبنائه وخبراتهم الميدانية المكتسبة.
الصلابة البنيوية ورفض الابتزاز الجيوسياسي: إسقاط معادلة «المقايضة بين السيادة والرفاه» التي تُدار كأداة ضغط استعمارية ناعمة. يعني الاقتدار الذاتي هنا بناء مناعة وطنية تدرك أن السيادة رزمة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فلا يمكن مقايضة الحقوق السيادية بالمساعدات المشروطة أو القروض المثقلة بالإملاءات السياسية. إن الابتزاز الاقتصادي يهدف في جوهره إلى تحقيق ما عجزت عنه آلة الحرب؛ لذا فإن حماية الأمن القومي تسبق وتؤمّن الأمن الغذائي، فالوطن الذي يفقد قدرته على حماية ثرواته الطبيعية وقراره السياسي، لن يجد في نهاية المطاف خبزاً يأكله بكرامة، بل سيتحول إلى مجتمع مرتهن يعيش على فتات الهيمنة.
سادساً: نحو أفق سيادي يتجاوز الوصاية
إن الخروج من مأزق «السيادة المستحيلة» يتطلب شجاعة سياسية في تعريف العدو والصديق. العدو هو من يحتل الأرض ويهدد الوجود ويستبيح السماء، والصديق هو من يدعم حقك في الدفاع عن نفسك دون شروط مكبّلة. السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، عبر الالتفاف حول القوّة الحقيقيّة للبنان كواقع أثبت نجاعته في الميدان حين سقطت كل الوعود الدولية.
يجب التأكيد على أن المقاومة هي فعل وطني بامتياز، وانخراطها في الدفاع عن لبنان ينبع من صلب الميثاق الوطني الذي يوجب الدفاع عن الأرض. إن محاولات وصمها بالتبعية الخارجية ما هي إلا بروباغندا أمريكية تهدف لعزل المقاومة عن بيئتها الوطنية لتسهيل الاستفراد بلبنان. الحقيقة الثابتة هي أن المقاومة هي التي تمنح الدولة اللبنانية النديّة في التعامل مع القوى العظمى؛ فالفرقُ شاسعٌ وجوهري بين أن ترتكز السلطة إلى ميدانٍ صلبٍ يمنحها المناعة في مواجهة الضغوط والندية في صياغة الحلول، وبين أن ترتهن لوعودٍ دبلوماسية كاذبة وهشّة لا تورثُ صاحبها سوى المزيد من الانكشاف.
خاتمة
إن السيادة التي ينشدها الأحرار في لبنان ليست سيادة «الوكالة الأمنية»، بل سيادة «الاقتدار الذاتي». لقد ولّى زمن القرارات التي تُكتب لخدمة أمن الاحتلال وتُنفذ بسيوف اللبنانيين ضد أنفسهم. المقاومة تظل هي الحصن الذي يملأ فراغ الوصاية بانتظار اليوم الذي تمتلك فيه الدولة استراتيجية دفاعية قادرة على صون الكرامة بأسلحة وطنية وإرادة مستقلة. السيادة المستباحة لن تُسترد بالاستجداء فوق منصات الأمم المتحدة، بل يرممها ثبات المقاتلين في الثغور وصمود الناس في القرى. إنها معركة الوجود في زمن التحلّل الدولي، وفي هذه المعركة، لا مكان للحياد بين الحق القومي وبين الهيمنة الاستعمارية. لبنان، بفضل اقتداره الذاتي، يمكنه أن يكون فاعلاً بدلاً من أن يكون ساحةً، وهذه هي السيادة الممكنة والوحيدة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.