بلقيس عبد الرضا (صحيفة المدن)
ارتفعت أسعار معظم السلع الغذائية والأساسية في لبنان منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية، على الرغم من تطمينات وزارة الاقتصاد التي أكدت وجود مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر. إذ بدأ المواطنون يلاحظون ارتفاعاً ملحوظاً بأسعار العديد من السلع، حتى السلع المصنعة محلياً. وفي كل مرة يسأل المواطن عن سبب الارتفاع، فيكون الجواب، الحرب وتداعياتها.
صحيح أنَّ ارتفاع الأسعار في المدى المتوسط أمراً حتمياً في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وما رافقها من ارتفاع في أسعار الوقود عالمياً، إضافة إلى التضييق على حركة الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. إلا أن الارتفاع السريع الذي شهدته الأسواق اللبنانية منذ الأيام الأولى للحرب يطرح علامات استفهام جدية حول احتمال استغلال بعض التجار للأزمات للتحكم بلقمة عيش المواطنين.
البداية من الخبز
فوجئ اللبنانيون برفع وزارة الاقتصاد أسعار العديد من السلع، وفي مقدمتها الخبز، السلعة الأكثر ارتباطاً بالأمن الغذائي للبنانيين، إذ ارتفع سعر الربطة لتصل إلى 70 ألف ليرة لبنانية في الأفران، وإلى 85 ألف ليرة في المحال التجارية، وبررت الخطوة بارتفاع كلفة الإنتاج، لا سيما أسعار المحروقات.
ويعد ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً، وتصاعد تكاليف الإنتاج، إضافة إلى زيادة أسعار القمح في الأسواق الدولية، عوامل من شأنها أن تدفع أسعار المواد الغذائية نحو الارتفاع. ويزداد تأثير هذه العوامل في لبنان تحديداً، باعتباره يستورد أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، ما يجعل أي صدمة في الأسواق العالمية تنعكس على السوق المحلية.
إلا أن ما يثير التساؤل هو الارتفاع الفوري واليومي الذي تشهده الأسواق حالياً، بالنسبة لسلع تم استيرادها إلى لبنان منذ أشهر، والتي لم تكن تحت تأثير تداعيات الحرب الإقليمية. ولذا من المنطقي أن اي زيادة مرتبطة بهذه العوامل يفترض أن تظهر بعد فترة زمنية، وليس بشكل مباشر وفوري.
ولا يقتصر ارتفاع الأسعار على السلع المستوردة فقط، بل طال أيضاً المنتجات المحلية. فقد شهدت سلع مثل المعكرونة والمعلبات والسكر ارتفاعات ملحوظة، رغم أنها محلية الصنع. فعلى سبيل المثال، كان سعر ربطة المعكرونة المحلية يتراوح في المتوسط بين دولار وثلاثة دولارات، إلا أنه ارتفع مؤخراً ليصل إلى نحو خمسة دولارات.
من خلال جولة لـ"المدن" في بعض المتاجر تبين ارتفاع سعر المعلبات بنسبة تتراوح ما بين 30 و50%، على غرار علب الفول، والحمص، والأطعمة الجاهزة كالأجبان والألبان.
كما لم تسلم الخضار من موجة الغلاء. ويقول عبد المصري، بائع خضار في بيروت، "إن ارتفاع الأسعار يعود جزئياً إلى توقف كبار تجار الجملة عن بيع الخضار، نتيجة تعطل الأسواق الرئيسية في صيدا وصور، إضافة إلى مناطق في البقاع". ويشير إلى أن حركة نقل الخضار من أسواق الجملة إلى العاصمة شبه متوقف حالياً، ما أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع الأسعار في بيروت.
تجار الأزمة
ولا يخلو ارتفاع الأسعار من بروز تجار الأزمة، بحسب ما يؤكده فؤاد الحلاق، أحد التجار في منطقة طريق الجديدة. يقول لـِ "المدن": هناك عوامل تساعد في زيادة الأسعار، فالعديد من المخازن الكبرى للمواد الغذائية في ضواحي العاصمة، أو في جنوب لبنان، يصعب الوصول إليها بسبب الحرب، ولكنها ليست العوامل وحدها، بل أيضاً هناك فئة تسعى دائماً إلى استغلال الظروف في لبنان، لتحقيق هامش من الأرباح، إما من خلال إخفاء السلع، أو رفع أسعارها من دون مبرر.
أصعب ما قد يمر في هذه الحرب، محاولات تجار الأزمة استغلال احتياجات النازحين. فقد ارتفع سعر فرش النوم الأسفنج، والوسائد، بشكل ملحوظ، إذ بات الحصول على الحد الأدنى من مستلزمات النوم يكلف العائلات مبالغ إضافية لم تكن في الحسبان. ويعزو بعض التجار هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب المفاجئ نتيجة موجات النزوح من المناطق المتضررة، مقابل تراجع العرض بسبب صعوبة نقل البضائع وتعطل سلاسل الإمداد بين المناطق اللبنانية.
وارتفعت أسعار الفِراش من 10 دولارات إلى 20 و30 دولاراً، كما ارتفع سعر البطانية الشتوية إلى 30 دولاراً في حين لم يكن سعرها يتخطى حاجز 10 دولارات قبل الحرب.
ومع استمرار الحرب واتساع رقعة النزوح، يخشى اللبناني أن تشهد الأسواق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، في ظل الصعوبة الحقيقية في ضبط الأسواق، وبالتالي أن يستمر ارتفاع الأسعار لتتحول السلع الأساسية عبئاً إضافياً أو سلعاً يصعب على شريحة واسعة من اللبنانيين تأمينها على نحوٍ يومي.