أوراق سياسية

قصة الصراع على جنوب لبنان: كيف حسمت المقاومة مصير الأرض

post-img

زينب الموسوي (صحيفة الأخبار)

من دون مواربة، يسعى الكيان الغاصب إلى احتلال جنوب لبنان وضمه، تحت ذريعة «إنشاء حزام أمني». التوجه هذا واضح في تصريحات قادة الاحتلال، إذ صرّح رئيس حكومته بنيامين نتنياهو أخيراً أنه «نعمل في لبنان بناء على قواعد اتفقنا عليها مع الولايات المتحدة ولبنان»، في ادعاء أن السلطة اللبنانية أعطت موافقتها على كل ما يرتكبه جيش العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان من مجازر وإخلاء وتدمير ممنهج لأكثر من 50 قرية.

وهو ما أقر به أيضاً وزير مالية الكيان، بتسلئيل سموتريتش، في تصريح له في آذار 2026، إذ دعا فيه إلى توسيع حدود إسرائيل شمالاً حتى نهر الليطاني، ما انعكس ترجمة فعلية للخريطة التي حملها رئيس وزراء العدو نتنياهو، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2023، والتي تظهر ما سماه «الشرق الأوسط الجديد»، على أن يكون فيه لبنان جزءاً من «أرض إسرائيل».

أمام هذا المشهد يظهر ذلك أن الدولة اللبنانية تخلّت عن جنوبها مجدداً، هذا إذا كانت الفرضية بأنّ الجنوب يعامل كجزء من الأراضي اللبنانية من قبل السلطة السياسية. إلا أنّ القراءة في التاريخ اللبناني، تظهر أن الجنوب، لم يكن في أي مرحلة من تاريخه الحديث جزءاً من الدولة بمعناها الحديث، بل كان، باستمرار، واقعاً بين حدّي الأطماع الصهيونية التي رأت فيه امتداداً طبيعياً لمشروعها، وبين رهانات داخلية اعتبرت أنّ إعادة تشكيله قد تفتح باباً لمكاسب سياسية أو طائفية. وبين هذين الحدّين، ظلّ الجنوب نفسه عاملاً ثالثاً حاسماً، وبقي خارج كل عمليات «إعادة الصياغة» التي كُتبت له.

عينُ الحركة الصهيونية على الجنوب اللبناني

منذ البدايات، لم تُخفِ الحركة الصهيونية نظرتها إلى الجنوب، حيث اعتبرت أن «منطقة جنوب لبنان حتى نهر الليطاني وحتى صيدا تشكل جزءاً من أرض إسرائيل». ولم تبقَ الفكرة في إطار التنظير، بل تحرّكت جمعية «أحباء صهيون» عملياً في استكشاف إمكانيات الاستيطان. وفي عام 1882 وصلت بعثة تابعة لها إلى بيروت، ومنها إلى صيدا، لاختيار أراضٍ بين صيدا وصور بهدف توطين 250 عائلة يهودية. وقد ورد في توصية الناشط الصهيوني كارفاريسكي أنه ينبغي «الاستيطان على مساحة 30 ألفاً حتى 40 ألف دونم في لبنان»، في خطوة تعكس مبكراً إدراج الجنوب ضمن التصورات التوسعية.

ومن هنا، جاء ملف الحدود كمحاولة سياسية لضمّ الجنوب إلى «أرض إسرائيل». فخلال مفاوضات بريطانيا وفرنسا على ترسيم الحدود، ضغطت الحركة الصهيونية من أجل ضم مناطق صور وراشيا وكذلك منطقة صيدا إلى «أرض إسرائيل». غير أن عوامل عدة حالت دون ذلك، منها عدم رغبة بريطانيا في التصادم مع فرنسا، وعدم إيجاد أي منفعة من ضمه إليه رغم كل ما قدمه اليهود وقتها من محاججات وضغوط، وحتى بعض الحسابات الاستعمارية التي برزت على شكل مخاوف من التعقيد الاجتماعي. وفي هذا السياق، قدّم المقدّم بوليت نيوكومب، الذي تولّى من الجانب البريطاني إدارة المفاوضات مع الفرنسيين بشأن ترسيم الحدود، مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية يحذّر فيها من أن ضم بعض هذه المناطق إلى منطقة الانتداب البريطاني قد يؤدي إلى تقسيم السكان الشيعة بين انتدابين، ما قد يولّد توترات وأعمال شغب دائمة ونزاعات حدودية مستمرة.

وفي موازاة ذلك، برز ملفّ الليطاني وأهميّته في المشروع الصهيوني. ففي مرحلة الانتداب، تبلورت رؤية أكثر وضوحاً لدى دافيد بن غوريون وموشيه شاريت، مفادها أن نهر الليطاني هو الحدود الطبيعية لأرض إسرائيل وأن مياهه حيوية لريها. كما أثيرت، من الزاوية الصهيونية في ربيع عام 1941، الإشكالية الأمنية في خط الحدود بين إسرائيل ولبنان مع تنامي الخشية من غزو ألماني فرنسي من سوريا ولبنان. وعلى خلفية ذلك، طلب موشيه شاريت من البريطانيين نقل الحدود إلى نهر الليطاني الأكثر راحة في الدفاع. وفي وثيقة أعدها في 17 تشرين الأول 1941 تحت عنوان «الخطوط العامة للسياسة الصهيونية»، كتب بن غوريون أنه «يجب علينا أن نذكر أنه من أجل قابلية الحياة للدولة اليهودية، من الضروري أن نكون جيران لبنان المسيحي، ومن جهة أخرى أن تكون مساحات النقب القاحلة ومياه الأردن والليطاني مشمولة ضمن حدودنا». كما رأى أن «الموارنة هم حلفاء طبيعيون للمشروع الاستيطاني، وأنه من المتعذر تحصيل جدوى كبيرة من العلاقات مع بقية الطوائف، وخصوصاً الشيعة».

وانطلاقاً من هذه الرؤية، قُدّمت خطط عمل واضحة للتعامل مع لبنان كساحة لإعادة التشكيل. ففي هذا السياق، قدّم إلياهو ساسون تصوراً متكاملاً للعمل في لبنان، تضمّن محاولة التدخل في الانتخابات البرلمانية، وتشجيع جهات تطمح إلى تقسيم لبنان إلى دولتين، وإقامة دولة مسيحية صافية تؤيد أهداف الصهيونية. ولتحقيق ذلك، جرى اقتراح تعزيز تأثير الكنيسة المارونية وتعزيز الصحافة والكتل ذات النزعات الانفصالية.

أخيراً، برزت هذه الأطماع الاستيطانية بشكل جليّ، حين جالت، في حركة استفزازية، «حركة عوري هتسفون» في الجنوب اللبناني، وهي حركة استيطانية تدعو إلى التوسع شمالاً في جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني، عبر الترويج لتهجير أهله والاستيطان مكانهم، مستندة إلى خطاب أيديولوجي- ديني يرى في الجنوب امتداداً جغرافياً وأمنياً لـ «أرض إسرائيل».

التآمرات الداخلية على الجنوب

وإذا كانت الأطماع الخارجية واضحة، فإن الأخطر كان ما تكشفه بعض الوثائق عن رهانات داخلية. إذ يذكر رؤوفين أرليخ في كتابه «المتاهة اللبنانية» أن فكرة هجرة اليهود إلى لبنان واستيطانهم فيه طُرحت مرات عدة، منها في منتصف الثلاثينيات، على إثر صعود أدولف هتلر إلى الحكم في ألمانيا، والصعوبات التي وضعتها بريطانيا أمام استيعاب يهود ألمانيا النازية في «أرض إسرائيل». ويذكر أرليخ أن هذه الفكرة قد حظيت بدعم شخصيات مارونية رفيعة، من بينها الرئيس شارل دباس، والبطريرك أنطون عريضة، والرئيس إميل إده، خليفة دباس. ويُعزى استعداد هذه الشخصيات للمساعدة في هجرة اليهود إلى لبنان إلى نظرتهم لليهود بوصفهم قوة اقتصادية فاعلة من شأنها تحفيز الاقتصاد اللبناني وإخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي ألمّت به، إضافة إلى تقديرهم بأن هجرة يهود ألمانيا إلى لبنان ستُعزّز قوتهم السياسية في مواجهة المسلمين.

أما أفكار نقل جنوب لبنان إلى «أرض إسرائيل» وضمه إلى «الدولة اليهودية»، فقد أثارتها شخصيات لبنانية إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها. وفي خلفية ذلك، كان يوجد خشية لدى جهات انفصالية وسط الموارنة من تنامي قوة المؤيدين في لبنان لاندماجه مع العالم العربي، وخشية جهات انفصالية من القوة المتنامية للمسلمين في الساحة الداخلية اللبنانية ومصلحتهم في التخلص من كتلة سكانية مسلمة كبيرة، مقابل التقدير بأن مكانة اليهود في إسرائيل بعد الحرب سوف تتعزز. ومن هنا، أثيرت خلال الحرب العالمية الثانية وفي أعقابها أمام ممثلي الحركة الصهيونية اقتراحات وأفكار عدة لشراء منطقة جنوب لبنان وإخلائها من سكانها الشيعة.

وفي هذا الإطار، كتب إلياهو ساسون في تقرير بتاريخ 11 آب 1941 حول زيارته لبيروت أن أحد الزعماء المقيمين في جبل عامل اقترح عليه شراء كل أراضي جبل عامل مع تعهد بإخلائها من سكانها الشيعة المقيمين فيها ونقلهم إلى العراق خلال عشر سنوات. وأضاف أن قضية جبل عامل أثيرت خلال حديث مع الرئيس بشارة الخوري الذي أعرب عن رأيه قائلاً إنّ «هناك حائلاً بيننا وبينكم يجب إزالته، وهو جبل عامل»، مشيراً إلى ضرورة إخلائه من سكانه الشيعة الذين يشكّلون، بحسب رأيه، خطراً دائماً على البلدين، والذين تعاونوا مع «العصابات العربية» التابعة للمفتي المقدسي أمين الحسيني، وإلى ضرورة «توطين الموارنة الموجودين في أمريكا مكانهم». كما اقترح أن يقرض المشروع الاستيطاني اليهودي البطريرك الماروني أنطون عريضة مبلغاً كبيراً من المال لشراء جبل عامل وتوطين الموارنة فيه، فيصبحون جيراناً لليهود، ما يتيح «تعاوناً بين اليهود والموارنة دون معوقات»، كما «سيُمكّن اليهود من ضمان جبهتهم الخلفية في الجزء الشمالي من "أرض إسرائيل"».

أما إميل إده، فقد أرسل عام 1946 ابنه إلى حاييم وايزمان مع اقتراح كان قد طرحه عام 1926 بنقل حدود البيت القومي لليهود إلى صور وصيدا. وبلغت رهاناته ذروتها حين التقى في باريس بدافيد بن غوريون وراؤوفين شيلواح، وطلب مبلغ 225 ألف ليرة من أجل محاولة السيطرة على الحكم في لبنان، مقابل الموافقة على ضم جنوب لبنان حتى الليطاني إلى «البيت القومي لليهود». بل وصل الطرح إلى حدّ تعهّده بالقيام بانقلاب في لبنان مقابل إعطاء سلاح أو أراض أو مال لليهود. كما أثار الصحافي اللبناني إلياس حرفوش الموضوع أيضاً في لقاء عقده مع إلياهو إيلات، مدير المكتب السياسي للوكالة اليهودية في واشنطن في 12 تشرين الأول 1946، حيث قال إن «ثمة إدراكاً متزايداً في أوساط مارونية نافذة، خصوصاً في جبل لبنان، بأنه يجب تقديم تنازل جغرافي من أجل ضمان الهيمنة الدينية والاجتماعية المسيحية في لبنان، وفي هذا الإطار يعتقد هؤلاء أنه يجب إعطاء مدينتي صيدا وصور لـ"أرض إسرائيل" المجاورة».

في وثائقي «كلنا للوطن» (1979)، الذي صوّره مارون البغدادي في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978، يتحدث السيد كاظم إبراهيم، وهو شخصية دينية بارزة من بلدة الأنصار في جنوب لبنان، عن التحديات التي كانت تحيط بالجنوبيين في ذلك الحين، وعلى رأسها محاربة الدولة للجنوبيين، ولا سيما «الشيعة» منهم، وحرمانهم من بيع تبغهم، فقط لأنهم قرروا محاربة إسرائيل.

المقاومة تقرر، وتحرر

وعلى هذا الأساس، فإن هذه الرهانات كلها التي بُنيت على الجنوب، سواء تلك التي انطلقت من تصوّرات خارجية رأت فيه مجالاً حيوياً للتوسع والضمّ، أو تلك التي نشأت داخلياً على قاعدة إعادة تشكيله سياسياً وديموغرافياً، لم تُنتج في نهاية المطاف سوى نتيجة معاكسة تماماً. إذ أدّت هذه المقاربات، بكل ما حملته من أخطاء في التقدير وسوء قراءة للواقع، إلى نشوء مقاومة شعبية متجذّرة في بيئتها، جعلت الاحتلال يدفع كلفة تورّطه في الجنوب اللبناني.

ففي الوقت الذي كان يُعامل فيه بشير الجميّل من قبل مناحيم بيغن وأرييل شارون بوصفه «طفلاً» (كما أسرّ لوالده) مُلزَماً بتسديد «دين سياسي» لإسرائيل، عبر التزامات أمنية وسياسية كان يُراد تثبيتها في لبنان، بما في ذلك توقيع معاهدة سلام «قبل نهاية السنة»، وترتيبات حدودية وتعيينات عسكرية مثل طرح اسم سعد حداد لقيادة الجيش، وقد «علا صوت شارون مشيراً إليه أن إسرائيل تحكم قبضتها على لبنان ومن المستحسن أن يفعل كحداد ما توقعته إسرائيل منه»، ما دفعه إلى «بسط كلتا يديه باكياً وقائلاً: قيّدني، أنا تابعك الذليل»، كان هناك على المقلب الآخر مقاومة جديدة تتشكّل. فأمام هذه الغطرسة والإجرام الإسرائيليين، أنتجت إسرائيل أكبر عدو لها، إذ «وسعت وعمقت دائرة الكراهية والعداوة التي تحيطها، وخلقت عدواً جديداً شيعياً في الغالب، نشأت من صفوفه حركة مقاومة شعبية أصيلة هي بشكل عام أكبر من المقاومة الفلسطينية التي هزمتها إلى حد كبير»، على حدّ تعبير ديفيد هيرست، في كتابه «حذارِ من الدول الصغيرة: لبنان ساحة معارك الشرق الأوسط».

أخذت هذه المقاومة المسلّحة تتطور في الجنوب اللبناني منذ عام 1982، وأجبرت بحلول عام 1985 وبعد «تحملها خسائر أكبر نسبياً من الاتحاد السوفياتي إبان حربه الكارثية في أفغانستان، إسرائيل على العودة إلى المنطقة الأمنية في جنوب لبنان التي انطلقت منها. ومرة أخرى تعرضت كريات شمونة لتلك الصواريخ التي أقسم بيغن على إزالتها إلى الأبد»، وفقاً لهيرست. ثم تبلورت هذه المقاومة لاحقاً بقيادة السيد حسن نصرالله وحزب الله، مستفيدة من بيئة حرب استنزاف طويلة بدأت بعد الاجتياح الإسرائيلي، وارتكزت إلى عمليات متصاعدة أعادت تشكيل ميزان الردع تدريجياً. هذا النمط من المواجهة، القائم على حرب العصابات، أدّى إلى إنهاك متواصل للقوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، وفرض معادلة استنزاف مستمر بدلاً من الحسم السريع. وهكذا واجه الإسرائيليون «لأول مرة في تاريخهم عدواً حقيقياً يستخدم أسلوب حرب العصابات، عدواً لم يتجاوز عديده في تلك الفترة 1500 مقاتل وربما لم يكن سوى 500 منهم محترفين متفرغين»، بحسب ديفيد.

كان هدف حزب الله هو هدف حرب العصابات التقليدي، أي جعل العدو ينزف ببطء. وبالفعل كان ينزف على نحو متزايد. فالعمليات تزايدت بثبات من حيث العدد (من 19 عملية فقط عام 1990 إلى 187 عملية عام 1994) والتطور. ومع تراكم الخسائر، كانت هناك طريقة واحدة يمكن بها إيقاف النزيف البطيء الذي وعد به نصر الله، وهي «الخروج مرة وإلى الأبد من "فيتنام إسرائيل"»، كما بات معلقو الصحف الإسرائيلية يسمونها، «هذا المكان الملعون، هذا "الملوخ" الذي يلتهم شبابنا».

وهكذا سار الأمر حتى عام 2000 عندما بدأ قادة إسرائيل السياسيون والعسكريون يفكرون لا في مجرد الانسحاب من لبنان، بل في انسحاب أحادي لا يتضمن أياً من الشروط التي دائماً ما أصرت عليها إسرائيل: نزع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبناني على طول الحدود ودمج عناصر الجيش اللبناني الجنوبي في مرتباته. وقامت إسرائيل بما لم تقم به من قبل: الانسحاب دون مقابل من أرض عربية سبق أن دخلتها واحتلتها. وتحوّل الانسحاب «إلى فرارٍ مخزٍ جرى بشكل مفاجئ، خفية ودونما إعلان، وكان بكل المعاني نصراً لحزب الله»، وفقاً لهيرست. وقد تخلت إسرائيل عن حلفائها اللبنانيين، إذ لم يأخذ الإسرائيليون معهم سوى عدد قليل من قادة جيش لبنان الجنوبي وشخصياته السرية ومحققيه.

لاحقاً، جاءت حرب تموز 2006 لتكرّس هذا التحول. في ذلك الحين، كانت أطراف لبنانية، بينها ما يُعرف بـ«قوى 14 آذار»، «سعيدة جداً بمشاهدة إسرائيل تهاجم حزب الله ويحدوها الأمل في أن تُوفّق في القضاء عليه»، وفقاً لديفيد، أما عربياً، وطبقاً للرواية الإسرائيلية عن الحرب، «فقد توسّل بعض السفراء العرب المعتدلين في الأمم المتحدة إلى إسرائيل كي "تقسم ظهر حزب الله"». ولكن، جاءت نتائج الحرب بما لا تشتهيه أنفسهم، إذ انتهت إلى تثبيت قدرة حزب الله على الصمود والردع. فقد انتصر حزب الله في الحرب، هذا الانتصار الذي بحسب «أليستر كروك ومارك بيري في أول تقييم حاد له كان "كاملاً وحاسماً"»، ما ولّد خوفاً عميقاً لدى الإسرائيليين من دخول ذلك «المستنقع الفتاك» مرة أخرى.

تكشف هذه الوقائع أن جنوب لبنان دائماً ما كان لبّ الصراع ومحطّ رحاله، فهو الذي وقف دائماً حجر العثرة في وجه مشروع خارجي رأى فيه امتداداً جغرافياً، ورهانات داخلية تعاملت معه كورقة سياسية رابحة يمكن المتاجرة بها. ولكن، وأمام كل ما وضع له من مخططات وحيك له من مؤامرات، ظلّ هناك عامل واحد لم يُؤخذ في الحسبان كما يجب، تبيّن أن وحده من يقرر مصير الجنوب: «الشعب». فالجنوب الذي وُضع على طاولات المفاوضات مرة وفي حقول الألغام أخرى، هو نفسه الذي بقي في الواقع النقطة التي انتهت عندها كل رهانات المستعمرين والمتواطئين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد