غادة حداد/جريدة الأخبار
الجميع يحذّر من حربٍ أهلية، لكن الجميع يستخدم كل ما أوتي من مصطلحات لشحن النفوس تمهيدًا للحرب القادمة. وما كان يقال في موضع السخرية للتصالح مع مأساة الماضي، بات الحديث الأكثر جديةً اليوم. فقد عاد استخدام مفردات «بيروت الشرقية» و«بيروت الغربية»، و«مناطقهم ومناطقنا». بعد كل هذا التحريض، يختم الحديث بالتنبيه إلى محاولات إسرائيل خلق فتنة داخلية تمهّد لحربٍ أهلية.
آخر حملات التحريض والتخويف، جاءت بعد إعلان «وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء»، عن تجهيز مركز إيواء، هو عبارة عن هنغار في منطقة المسلخ في الكرنتينا، قرب مرفأ بيروت، يتّسع لقرابة 700 نازح، أي 200 عائلة. وقالت الوحدة في بيان توضيحي يوم الأحد الفائت، إنّ هذا الموقع «يجري تجهيزه كإجراء احتياطي وليس للاستخدام الفوري، علمًا أنّ وجهة استعماله لم تُحدَّد بعد».
أشارت إلى أنّه «يقع خارج نطاق مرفأ بيروت، ولا يؤثر بأيّ شكل من الأشكال على سير العمل أو العمليات فيه. كما إنه يبعد نحو كيلومتر واحد عن الأحياء السكنية. إضافة إلى ذلك، فإنّ بدء العمل في الموقع - متى تقرّر - سيترافق مع الإجراءات اللازمة للحفاظ على السلامة العامة والعلاقة الطيبة مع المجتمع المحلي. كما إنّ المنطقة تخضع لإشراف الجيش والقوى الأمنية المختصة».
تحريض سياسي وفني
من بعدها، بدأت حملة التحريض على النازحين، بذرائع أمنية، لم يقدم دليل واحد عليها. إلى جانب تغريدات وتصريحات السياسيين أمثال نائب بيروت وضاح الصادق والنائبين نديم الجميل وغسان حاصباني وغيرهم، دخلت الفنانة إليسا على الخط، وقالت في تغريدة «التعاطف واجب... لكن فرض واقع خطير على اللبنانيين بين منازلهم وعلى الطرقات التي يسلكونها يوميًا ليس إنسانية، بل تعدٍّ على أبسط حقوقهم بالأمان والاستقرار.
إنشاء مخيمات عشوائية داخل الأحياء السكنية يعني تعريض الناس لخطر يومي، وخلق بيئة خارجة عن السيطرة، وكأن المطلوب من اللبناني أن يدفع ثمن أزمة لا يد له فيها. لسنا ضد أحد… لكننا ضد تحويل المدن إلى مساحات مفتوحة للفوضى، وضد فرض أمر واقع بالقوة وتحت عنوان الإنسانية. الإنسانية تُمارَس بتنظيم ومسؤولية… لا بتهديد الناس في بيوتهم».
«أم تي في» في الصدارة
كالعادة، حملت محطة الـ «أم تي في» لواء التحريض الإعلامي. بعد جولة على السكان في الأشرفية والمدور والصيفي والكرنتينا، قالت زينة باسيل شمعون في نقل مباشر بعد ظهر الأحد الفائت إنّ الأهالي ممتعضون لثلاثة أسباب: أولًا عدم علم المخاتير والأهالي بالقرار، وثانيًا أنّ هذه الحرب يشارك فيها 1000 عسكري من الحرس الثوري الإيراني في الجنوب ويخافون من أن يتحول هذا المركز للحرس الثوري، وهذا ما يذكرهم بمراكز الفلسطينيين والعودة إلى الحرب الأهلية، وثالثًا أنّ هذه طريق المرفأ ويخافون أن يسيطر الحزب عليها كما يسيطر على طريق المطار.
جزمت المراسلة أنّ جميع النازحين مسلّحون. وفي نشرة المساء، بثت القناة تقريرًا أكدت فيه المراسلة نفسها بأنّ المركز يطرح «أسئلة منطقية وهواجس أمنية مشروعة»، والخوف من إنشاء «أوزاعي» جديدة، وتحول المكان إلى مخيّم يشبه المخيمات الفلسطينية، ولكن بغطاء من إيران و «حزب الله»، وهذا ما ردده أيضًا عدد من سكان المنطقة، في مقابلات مع المحطة.
في تقرير آخر على القناة نفسها، قرّرت مجدولين لحام أن تنكأ جرح انفجار مرفأ بيروت، للتحريض على النازحين، في محاولة لتقديمهم بأنّهم مجموعة مسلحين يهددون العاصمة. وأكملت المحطة التحريض، ناقلةً عن «مصادر أميركية» بأنّها تنظر إلى ملف الكرنتينا «كمؤشّر خطير يرفع منسوب القلق في واشنطن في ظل مخاوف جدّية من محاولات فرض أمر واقع جديد في منطقة شديدة الحساسية، ومحاولة للتمدّد والسيطرة لـ «حزب الله » بين النازحين قرب المرفأ».
في خبر آخر، نسبت المحطة لمصادر قولها إنّ «الإدارة الأميركية تراقب مسار ملف الكرنتينا بقلق كبير وغير مرتاحة لطريقة تعاطي الحكومة اللبنانية معه، وأي تردّد أو غياب لموقف واضح وحاسم سيُفهَم كأنّه غطاء غير مباشر لمحاولات إعادة تموضع أو نوع من الاستيطان الأمني المرفوض بالكامل».
هنا يبرز تعامل أقل ما يقال عنه إنّه غير مهني، فمن هي «المصادر الأميركية» التي تمعن في السياسة اللبنانية إلى حد معرفتها الكرنتينا، وأكثر إدراكها «خطورة المركز»؟ يمكن تفهم فكرة تجهيل المصدر إن كان الخبر يشكل خطرًا عليه، ولكن المحطة التي تتفاخر بمراسل يتسابق لسرقة «سيلفي» مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمكنها تحديد مصدر هذه المعلومة من داخل إدارة أقوى دولة في العالم، التي تركت حربها في إيران، وتقلق على الكرنتينا.
جرح قديم
يوم قيل لنا إنّ الحرب الأهلية انتهت، لم يُقل لنا كيف ومتى، والكل يردّد أنها لم تنتهِ، فالنفوس لم تهدأ والجراح لم تلتئم. وعند أي مفترق يصار التهديد بحربٍ جديدة. استعادة مشاهد الحرب، تعود إلى عدم الشفاء العام من صدمة الحرب، ما يجعلها ورقةً قابلة للاستخدام والترهيب عند أي استحقاق. يستغلون ألمًا قديم، لتثبيت متاريس يفترض أنّها أزيلت.
لا رواية موحّدة لتاريخ وأسباب اندلاع الحرب الأهلية، ما يغيّب الرواية حول نهايتها. كما لم يتحمّل أحد مسؤولية دماء الشهداء، ولم يُحاسب أحد بجرائم الإخفاء القسري والاغتصاب والمجازر والدمار. فجأة، أُقفل الملف، وزعماء الحرب أمس، باتوا سياسيي اليوم، وقيل للسكان: خذوا بيروتكم الجديدة، ونموذجها، واسكنوا في جنة الريع لعدة أعوام، قبل الانهيار الكبير.
ظلّ جرح الحرب مجمدًا في اللاوعي الجماعي. والصدمة التي لا تعالج، تعود عند أي محفّز خارجي، لتعيد كل مشاعر الخوف والقلق على الوجود إلى الواجهة، وهذا ما يسمح للنافذين باستخدام ورقة الحرب الأهلية كلما أرادوا فرض قرارهم على الناس. ليس بالضرورة أنّ الناس لم يتعلموا من الماضي، بل هم ببساطة لم يشفوا، وهم خائفون، وهناك حدث يذكّر بجرح لا يزال ينزف. وفي خضم هذا الخوف، هناك من قرّر استخدامه ضدهم وتخويفهم من أبناء جلدتهم، طمعًا باستعادة سلطة ونفوذ ومال خسروها.
استفادة العدو
هذا الخطاب، والحرب الأهلية نفسها، لا يفيدان إلا إسرائيل. إذ تظهر التجارب التاريخية أنّ تفكك الجبهة الداخلية، أو حتى إظهارها في مظهر المنقسمة، يُعدّ أحد أهم عناصر القوة في الحروب، وإعادة إنتاج مفردات الحرب الأهلية، ولو على مستوى الخطاب، يحقّق مصلحة مباشرة للعدو عبر تعميق الشكوك بين مكونات المجتمع.
لهذا تلجأ معظم الدول في الحروب إلى إعلان حالة الطوارئ، وفرض أشكال مختلفة منها إعلاميًا، عبر الرقابة المباشرة أو عبر توجيه الخطاب العام، للحد من انتشار الشائعات ومنع استغلالها من قبل العدو، سواء عبر تضخيم المخاوف، أو نشر معلومات غير دقيقة، أو إعادة إنتاج خطاب انقسامي يخدم أهدافًا خارجية.
لكن في لبنان، لا خطة بشكلٍ عام، وليس فقط إعلاميًا. يلجأ بعض الإعلام لتناول المخاوف الأمنية من دون تدقيق أو سياق، وتضخيم هواجس فئة معينة وعرضها كحقيقة عامة. وهذا التهويل، ولو جاء تحت عنوان التحذير إن افترضنا حسن النية، يؤدي إلى نتيجة عكسية، فيتحول إلى عملية «تطبيع» مع فكرة الحرب الأهلية.
في وقت يواجه فيه لبنان حربًا إسرائيلية متوحشة، وفي الداخل أزمة اقتصادية حادة، وسياسات حكومية تمهّد لأزمة جديدة، فضّل مَن هم يُفترض أنهم مؤتمنون على حياة الناس ومستقبلهم، الهروب من مسؤولياتهم، عوضًا عن إيجاد حلول، ليس فقط لأنّهم عاجزون، بل لأنهم متواطئون في أزماتنا، ومتورطون في كل نقطة دم قد تسقط في أي اقتتال داخلي.
المرة الثانية مهزلة
يشارك الجميع في تهيئة النفوس لحربٍ أهليةٍ جديدة، بين الذي يصرّ على إعادة التذكير بتاريخ ضاحية بيروت الجنوبية، بأنّها كانت في الأساس منطقة مسيحية وسكنها الشيعة بعد نزوحهم من جنوب لبنان، جراء الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، إضافةً إلى دعوات إلى طرد اللبنانيين الشيعة إلى العراق. وفي المقابل هناك مَن يذكّر المسيحيين بجيش لحد.
بينهم مَن يخرج ليطالب الرئيس السوري أحمد الشرع بالتدخل عسكريًا من البقاع ضد «حزب الله » في سيناريو مشابه لما حصل في سبعينيات القرن الماضي، ما أسّس لاحقًا لاحتلال إسرائيلي من جهة، وسوري من جهة أخرى. المحرّضون هم أنفسهم، والتخويف هو عينه من آخر يدّعون أنه لا يشبههم. بالأمس كان الفلسطيني واليوم الشيعي، ويسمحون لأنفسهم بالتحدث باسم «بيئة مسيحية واحدة».
لكن جديًا، هل يجب أن نخاف أم نضحك من نتائج مفترضة لهذا التحريض؟ فالاستخدام الجدي لتعابير مثل «بيروت الشرقية» و«بيروت الغربية» في عام 2026 يدعو للسخرية والضحك، أكثر من الخوف من متاريس ستوضع في العاصمة. ..ربما نحن أمام مهزلة أكثر من حربٍ فعلية. في كتاب «الثامن عشر من برومير - لويس بونابرت»، كتب كارل ماركس جملته الشهيرة «التاريخ يعيد نفسه مرتين: الأولى كمأساة، الثانية كمهزلة»، أي إنّ تكرار المأساة يخفّف من وطأة قسوتها، لتصبح موضع استخفاف.
لاحظ ماركس أنّ الأحداث السياسية والثورات غالبًا ما تبدو كأنّها تتكرر مقارنةً بأحداث سابقة، لكن ليس بالطريقة نفسها ولا بالعمق ذاته. المرحلة الأولى لها رهاناتها الحقيقية، وفاعلون أقوياء، ونتائج فعلية، وتكون أكثر جدية، وتحمل مسار تحولٍ جديٍّ، وغالبًا ما يكون مؤلمًا. أما في التكرار والتقليد، فيفقد الحدث جوهره، وقد يتحول إلى ما يشبه العرض المسرحي، والجميع مدعو للمشاهدة.