خليل كوثراني/جريدة الأخبار
صمد نظام إيران في وجه القصف الجوي والتخريب الداخلي وثمار عقود من الحصار، ولا يزال صامدًا في الأسبوع الرابع على الحرب؛ وتلك نتيجة مذهلة. لكن ليس من المفاجئ ألّا يسقط نظام بالقصف الجوي وحده من دون غزو برّي أو انقلاب داخلي، لا سيما إن كان «قطع الرأس» (قتل خامنئي الأب)، في هذه الحال، هو لنظام مؤسسات لا فرد، يحظى بقاعدة شعبية معتدّ بها، وبنية ولدت في الحروب وأعدّت نفسها لمواجهات مماثلة طوال السنوات الماضية. وإذ نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في جرّ الولايات المتحدة إلى معركته الكبرى التي لا يرى من دونها مستقبلًا للمشروع الصهيوني، فلم يكن من غير المتوقّع تورّط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وانسياقه خلف المسار الإسرائيلي، ولا هي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك، ولو اختلف مدى التورّط.
أمّا المفاجئ، فأبرزه ثلاثة: (1) تقديرات ترامب، (2) الردّ الإيراني، (3) ومبادرة «حزب الله».
— ترامب؛ قبل اندلاع الحرب، كانت ثمّة معطيات، مثّلت لبرهة رجحانًا للسيناريو الذي ردّده البعض، لا سيما في الإعلام الإسرائيلي، وكان أيضًا ضمن الترجيحات الرسمية الإيرانية، وهو أن إسرائيل، برغم التحشيد الأميركي المباشر، هي التي ستشنّ الهجوم ومن ثم تنضمّ أميركا بحشدها إليها، وتؤدي دورًا دفاعيًا أساسيًا، في ما يشبه من هذه الناحية حرب الـ12 يومًا. وكان من شأن ذلك أن يجنّب مضيق هرمز والخليج وأسعار الطاقة وخطوط التجارة تبعات الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران.
هنا، ثمة معطيان أساسيان سبقا الهجوم: الأوّل، ما نشرته «وول ستريت جورنال» عن أن ترامب لم يكترث لتقدير هيئة الأركان المشتركة بأن إيران ستقوم بإغلاق مضيق هرمز وأبلغ فريقه أن طهران «قد تستسلم قبل إغلاق المضيق». والثاني، وهو الأهمّ، تقدير سلبيّ لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي إيه) حول شنّ الحرب، تضمّن، وفق ما ينقل مصدر غربي شارك في اجتماعات تقييم أمنيّة في واشنطن في الأسابيع التي سبقت الحرب، التحذير من أن هجومًا مماثلًا «سيغامر بمصير ما بنيناه في المنطقة على مدى 50 عامًا»، مشيرًا خصوصًا إلى القوّة الناعمة المتراكمة في الإقليم.
كما أن بعض المصادر تفيد بأن ترامب كان مقتنعًا بأن حسم المعركة لن يستغرق أكثر من أربعة أيام. ويؤكد تقرير «نيويورك تايمز» أمس، الذي كشف أن الحملة على إيران ارتكزت على تقدير «الموساد» إمكانيةَ سقوط النظام على إثر الضربة، أن ترامب تجاهل بالفعل تقديرات استخباراته.
تقدير سلبيّ لـ«سي آي إيه» حول شنّ الحرب تضمّن التحذير من أنّ هجومًا مماثلًا «سيغامر بمصير ما بنيناه في المنطقة على مدى 50 عامًا»
— إيران؛ لم يكن ردّ إيران مفاجئًا في ذاته، إنما من حيث سرعته وجرأته واتساع نطاق النيران وشموله مضيق هرمز. أحد أسرار ذلك أن القيادة الإيرانية فوّضت، قبل أيام من الهجوم، وبناءً على توقّع الهجوم وسيناريواته، القوّات المسلّحة (الحرس والجيش) «حرية الاشتباك»، صلاحيات ميدانية بالردّ الفوري من دون الحاجة إلى قرار مسبق من مجلس الأمن القومي. وهو ما نفّذ سريعًا صباح السبت؛ ولا شك في أنه سيؤرَّخ لهذه الحرب أن هذا القرار كان سببًا من أسباب إحباط ضرب منظومة القرار وعدم ظهور خلل فيها. وقد أرفقت إيران إجراءها ذاك، برسالة بعثت بها إلى دول الجوار، أوضحت فيها أن ردودها ستشمل القواعد الأميركية لدى تلك الدول، محذّرة من أنها قد تصل إلى أهداف أخرى.
— «حزب الله»؛ فاجأ دخول «حزب الله» على خطّ المعركة، إسرائيل، حيث أقرّ مسؤول إسرائيلي، وفق ما نقلت «القناة 13»، أن هذا الدخول خالف التقديرات الإسرائيلية. والدقيق أن الحزب فاجأ العدوّ والصديق معًا، ونسف كومة من السرديّات التي حيكت حول مصيره. فقد كشف تحرّكه خطأ رواية نتنياهو للجمهور الإسرائيلي عن حجم النجاحات في لبنان في حرب 2024، وكذلك هامشية تأثير الضربات اليومية طوال عام 2025 على بنية المقاومة ومحاولاتها التعافي (وهو ما كان الحزب يبرّر تجاهله بأنّ ما يُضرب يوميًا هو نسبة ضئيلة من عمل يومي لا يدركه العدوّ، وأنه لا تأثير لذلك على عملية الإعداد للحرب المقبلة، والتي ظلّت تمثّل الأولوية).
كما أثبت، حتى الآن، نجاح ما كان يدعوه مرحلة «إعادة الترميم» والتي ظلّلها بالغموض والتكتّم، وشملت استكمال سدّ الثغرات الأمنيّة. وقد التزم الحزب الصمت طوال تلك المرحلة، إلى حدّ أن البعض شكّك في التسريبات الشحيحة، التي انتشرت على نطاق ضيق، والتي كانت خلاصتها تقول: إذا ما نشبت الحرب فسنبدأ القتال من على الحدود، وإن ما أصيب من قدرة صاروخية أقلّ بكثير من النسبة التي زعمها العدو.
لكن سياسة الغموض لم تشمل الصمت عن موقف الانخراط في الحرب على إيران، والذي تركه الأمين العام للحزب مفتوحًا بصراحة على الممكن، وهو ما لم يؤخذ على محمل الجدّ في لبنان (حيث كان في السلطة مَن يسرّ لمجالسيه بأنه يتوقّع انفراط عقد المقاومة عقب ضربة خاطفة وماحقة لإيران)، ولا في إسرائيل حيث أساءت المؤسّستان الأمنيّة والسياسية تقديرَين من فئة ما لا يمكن التسامح مع عدم تقديره بدقة: قوّة الحزب - المتبقية والمرمَّمة - وإمكانيّة مشاركته في الحرب.