غادة حب الله/جريدة الأخبار
في خضمّ التصعيدات المتكررة في الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الحدث الآني نحو بنية التفكير الاستراتيجي: هل تعتمد الدول في حروبها على منطق الضربات الاستباقية وتغيير موازين القوى بالقوة، أم على منطق الردع وضبط التصعيد؟
تُظهر المقارنة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، اختلافاً عميقاً في أنماط إدارة الحرب، سواء على مستوى العقيدة العسكرية أو في كيفية توظيف القانون الدولي.
الاستباق العقيدة.. النموذج الأميركي – الإسرائيلي
تقوم الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية، في العديد من الحالات، على مبدأ الضربة الاستباقية، أي نقل المعركة إلى الخصم قبل أن تتبلور تهديداته بشكل كامل.
غير أن هذا المفهوم يظل إشكالياً من منظور القانون الدولي. فميثاق الأمم المتحدة لا ينص على شرعية الضربات الاستباقية، بل يقيّد استخدام القوة بحالتين أساسيتين: تفويض من مجلس الأمن، أو ممارسة حق الدفاع عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح أو وجود تهديد وشيك ومثبت.
تجلّى الرفض الدولي لهذا النوع من العمليات في إدانة مجلس الأمن للضربة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي عام 1981، حيث اعتُبرت خرقاً واضحاً لمبدأ حظر استخدام القوة. ورغم ذلك، استمرت بعض الدول في توسيع تفسير مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل التهديدات المحتملة، لا الفعلية فقط، كما ظهر في حالات مثل غزو العراق 2003.
في هذا السياق، لا يعكس اللجوء إلى الضربات الاستباقية مجرد خيار عسكري، بل يعبّر عن قراءة موسّعة —ومثيرة للجدل— للقانون الدولي، تتجاوز الإطار التقليدي الذي حدده ميثاق الأمم المتحدة.
الردع وضبط التصعيد: المقاربة الإيرانية
في المقابل، تميل إيران إلى نمط مختلف، يقوم على الردع لا المبادرة. ففي الحرب الإيرانية العراقية، لم تكن إيران الطرف الذي بدأ الحرب، بل وجدت نفسها في موقع الدفاع قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الهجوم دون أن تتمكّن من تحقيق حسم نهائي.
ومنذ ذلك الحين، يمكن رصد سلوك إيراني يتسم بتفادي الانخراط في حروب تقليدية مباشرة واسعة النطاق، مقابل الاعتماد على ردود محسوبة تهدف إلى إعادة التوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ثلاث لحظات شكّلت صورة إيران العسكرية
يمكن القول إن صورة إيران في الوعي الدولي تشكّلت عبر ثلاث محطات أساسية:
- الحرب مع العراق، حيث برزت كدولة قادرة على الصمود في وجه حرب استنزاف طويلة؛
- مرحلة ما بعد حرب لبنان 2006، حيث ظهر نموذج الردع غير المباشر؛
- المرحلة الراهنة، التي تتسم بردود محسوبة ضمن سقف سياسي وقانوني معين.
بين الفقه والقانون: «العين بالعين» ومبدأ التناسب
يمكن فهم بعض أوجه السلوك الإيراني عبر تقاطع بين المرجعية الفقهية الإسلامية والمرجعية القانونية الدولية. فمبدأ «العين بالعين والسن بالسن» لا يُطرح هنا كبديل عن القانون الدولي، بل كإطار تأويلي يتقاطع مع مبدأ التناسب ضمن حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
يبرز ذلك في أعقاب اغتيال قاسم سليماني عام 2020 على الأراضي العراقية، وهي عملية أقرت الولايات المتحدة بمسؤوليتها عنها. في هذا السياق، اعتبرت إيران أن الفعل يندرج ضمن عمل عدائي يبرر تفعيل حقها في الدفاع عن النفس، فقامت باستهداف قاعدة عسكرية أميركية في العراق.
يمكن قراءة هذا الرد كمسعى إلى الموازنة بين منطقين:
منطق قانوني يقوم على الرد المحدود والمتناسب، ومنطق فقهي يستند إلى المعاملة بالمثل، بما يهدف إلى إعادة ضبط ميزان الردع دون توسيع دائرة النزاع.
مع الإشارة إلى أن توصيف هذه الوقائع قانونياً يبقى محل جدل في الأوساط الدولية.
القانون الدولي بين الخطاب والممارسة
تُظهر هذه المقارنة أن القانون الدولي لا يُطبّق بمعزل عن توازنات القوة. إذ بينما تسعى إيران إلى تقديم سلوكها ضمن إطار الدفاع عن النفس، تميل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توسيع هذا المفهوم ليشمل الضربات الوقائية والاستباقية.
برز هذا التباين بوضوح في حرب غزة، حيث أثيرت اتهامات واسعة بانتهاك مبادئ التناسب وحماية المدنيين، ما يعكس الفجوة بين الخطاب القانوني والممارسة الميدانية.
على حافة التصعيد.. سيناريو الطاقة ومضيق هرمز
في ضوء التهديدات الأخيرة التي صدرت عن دونالد ترامب باستهداف منشآت الطاقة في إيران، وما قابلها من تحذيرات إيرانية بالرد على مصادر الطاقة في المنطقة، يبرز سيناريو تصعيدي بالغ الخطورة، حتى وإن لم يتحقق بعد بشكل فعلي.
من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن استهداف البنى التحتية الحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بالطاقة، يثير إشكاليات جدية تتعلق بمبدأي التناسب وحماية الأعيان المدنية. كما أن أي تهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يضع المنطقة أمام تداعيات تتجاوز الإطار العسكري نحو تهديد النظام الاقتصادي العالمي.
في المقابل، يشير الخطاب الإيراني إلى منطق «المعاملة بالمثل»، أي استهداف مصادر الطاقة المرتبطة بالوجود العسكري في المنطقة، في حال تنفيذ أي ضربة ضد منشآتها. غير أن هذا النوع من الردود، حتى لو قُدّم ضمن إطار التناسب، يحمل في طياته خطر الانزلاق إلى تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.
ضمن هذا السياق، لا تبدو المسألة مجرد تبادل تهديدات، بل اقتراب من عتبة حرب بنيوية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. وهي لحظة يرى فيها بعض الفاعلين، وفي مقدمهم بنيامين نتنياهو، فرصة لإعادة تشكيل الصراع على نحو يوسّع دائرته الإقليمية، عبر جرّ أطراف إضافية إليه وتحويله من نزاع محدود إلى مواجهة مفتوحة.
وعليه، حتى في حال لم تُنفّذ هذه التهديدات، فإن مجرد تداولها يعكس انتقال المنطقة من منطق إدارة التصعيد إلى منطق تطبيع حافة الهاوية.
خلاصة جيوسياسية
لا يمكن اختزال سلوك الدول في الحروب ضمن ثنائية أخلاقية بسيطة، لكن يمكن تمييز اتجاهين واضحين:
- نموذج يميل إلى المبادرة العسكرية وتوسيع نطاق التهديد
- نموذج يميل إلى الردع وضبط التصعيد ضمن حدود محسوبة.
في هذا السياق، لا يظهر الاختلاف بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كاختلاف في الوسائل فقط، بل كاختلاف في تصوّر الحرب نفسها:
هل هي أداة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، أم وسيلة لإدارته ومنع انفلاته؟
إنّ الخلاف لا يدور فقط حول مشروعية الأفعال، بل حول إعادة تعريف مفهوم الدفاع عن النفس نفسه بين تفسير مقيّد كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، وتفسير جيوسياسي أو/و جيواقتصادي موسّع تفرضه موازين القوة.