إيهاب شوقي/كاتب مصري
الصدمة والرعب، أو الصدمة والترويع، هي استراتيجية عسكرية للهيمنة السريعة، وهي عقيدة عسكرية تعتمد علي المفاجأة والاستعراض المذهل للقوة ما يؤدي لشلل في إدراك العدو وتدمير إرادته القتالية. هي، أيضًا، عقيدة عسكرية أمريكية من إنتاج أبحاث جامعة الدفاع القومي في الولايات المتحدة.
هذه النظرية بنيت وأطّرت بناء على التجربة العملية التي نفذت خلال حرب "عاصفة الصحراء"، فى يناير/كانون الأول 1991، والتي دمرت فيها الولايات المتحدة قوات صدام حسين واستخدمت خلالها تعبير "الصدمة والرعب"، ما يعني أن هذه العقيدة متأصلة في الفكر الأمريكي. لقد اتبعت أميركا هذا الأسلوب في الحرب العالمية الثانية بقصفها المكثف للمدن الألمانية واستخدام القوة الغاشمة، يُرجع بعض الباحثين أيضا العقيدة لأزمنة أبعد تعود إلى الحرب الأهلية الأمريكية.
هذه النظرية معتمدة في الحروب الأمريكية، حيث طبقتها في أفغانستان وفيتنام وكوريا، ومؤخرًا حاولت تجربتها مع إيران. افتتحت أميركا وربيبتها "إسرائيل" الحرب على إيران بالصدمة والرعب في محاولة منها لتحقيق نصر ساحق وسريع وكسر إرادة المقاومة، وذلك عبر ضربتين متزامنتين، إحداهما سياسية والأخرى مجتمعية. إذ تزامنت جريمة اغتيال الشهيد القائد السيد علي الخامنئي مع جريمة قصف مدرسة الأطفال، والتي استشهدت على أثرها عشرات البنات الصغيرات.
الهدف، هنا، هو بث الفوضى على المستوى السياسي على أساس أن اغتيال رأس الهرم الإيراني سيسبب انهيارًا وفوضى في تراتبية القيادة وإحداث سلسلة من الانقسامات والفوضى.. هذا فضلًا عن الصدمة المعنوية، في أن قصف مدرسة البنات سيشكّل صدمة للمجتمع الإيراني ونذيرًا بأن الحرب ستكون وبالاً على كل أسرة، ما سيؤثر على إرادة الشعب الإيراني في التحدي والمواجهة؛ لأنّ الكلفة الثمينة لهذا الخيار هي مجلس عزاء في كل بيت وفقدان الأعزاء والأبناء.
لكنّ المفاجأة الاستراتيجية الكبرى كانت في الثبات والصمود الإيراني على المستويين السياسي والشعبي، وما تزامن معهما من قدرات عسكرية إيرانية وجرأة في بنك الأهداف، ما أحدث نتيجة عكسية صدّرت الصدمة والرعب إلى العدوين الأمريكي والصهيوني.
من الواضح، من مستجدات المعركة والتصريحات والممارسات الأمريكية والصهيونية، أن أميركا و"إسرائيل" لم يعدّا العدة لمعركة طويلة، وكانت خطتهما قائمة على سيناريو انهيار إيراني سريع في ظرف يوم أو يومين. يدل على ذلك على أن الاستعدادات الدفاعية الأمريكية والصهيونية لم تكن على المستوى المطلوب لصد الصواريخ الإيرانية. كما أن المفاجآت الصاروخية الإيرانية، على مستوى القدرات النارية وكذلك بنك الأهداف، يدل على فشل استخباراتي أميركي إسرائيلي وخلل في تقدير قوة إيران وتطوير خطط الحرب.
بينما وجدنا إيران مهيأة لهذه الحرب، وأعدّت عدتها دفاعيًا وهجوميًا. كما شكّل الصمود الشعبي الإيراني والخروج إلى لشوارع تحت القصف دعمًا للمقاومة والتفافًا حول نظام الثورة الإسلامية، مفاجآة كبرى خيبت آمال العدو وأربكت خططه وتحركاته.
كما أن سيطرة إيران على مضيق هرمز واعتماد بنك أهداف ذكي يقوم على المصالح الأمريكية، إلى جانب قواعدها العسكرية، شكّل ضغطًا دوليًا مضافًا على أميركا انعكس في خروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليومي بتصريحات متناقضة أفقدت أميركا مصداقيتها وهيبتها.
في هذا السياق؛ لا بد من رصد عقيدة المقاومة وتفسير انتصارها على عقيدة الصدمة والرعب؛ والتي نجحت في جبهات أخرى، ولماذا عقيدة المقاومة عصية على الترويع والتركيع؟ التفسير هنا بسيط، وينبع من ثقافة المقاومة وعقيدتها القائمة على التضحية والفداء والاستقواء بامتلاك الحق والشرعية، وبالجانب الإيماني والروحاني الذي يشكّل العمود الفقري للمقاومة.
الهدف الرئيسي من الصدمة والرعب هو كسر الإرادة كي يفقد معه الخصم الرغبة في القتال لانعدام جدواها، في حين عقيدة المقاومة الإيمانية هي عقيدة دفاعية تقوم على رفض الاستسلام والذلة، وتطمح للنصر أو الشهادة، ولا تستطيع أي قوة تخويف المقاومين بالموت. هو سعادة في عقيدتهم إذا ما كان مقابله الحياة الذليلة مع الظالمين .. فالمقاومة تقاتل بروح كربلائية حتى آخر نفس في معاركها، ولا تثنيها صدمات وأحزان، ولا يوقف مسيرتها رعب وترويع.
كما أن المقاومة ليست انتحارية، فهي تأخذ بالأسباب العملية للصمود والنصر، حيث تعد القوة وتتمتع بالجهوزية، وتمتلك القدرات التي تؤهلها للدفاع عن الحق ومعاقبة المعتدين. من ضمن هذا الإعداد للقوة، يأتي الاهتمام بالجانب المؤسساتي والانضباط والأخذ بالأسباب العلمية لإدارة الصراع ومعاركه وصيانة المؤسسات، إلى جانب تنمية الجانب التوعوي والإيماني عند المقاتلين والشعب، حرصًا على التماسك والاصطفاف، وهو ما نجده في إيران وفي التماسك والتعاضد في لبنان بين المقاومة وجمهورها.
مما لا شك فيه أن صمود إيران وقوى المقاومة، في هذه المعركة الوجودية، نابع من عقيدة المقاومة التي لا تستطيع أي قوة إمبراطورية كبرى هزيمتها ولا ترويعها ولا كسر إرادة أهلها من المقاومين. كما يبدو أن العدو الأمريكي -الصهيوني لا يفهم بعد ماهية هذه العقيدة وأثرها، لذلك هو مستمر في ارتكاب الحماقات والخطايا الاستراتيجية الكبرى، وعلى الباغي دومًا تدور الدوائر.