اوراق خاصة

معاناة النازحين في لبنان.. أزمة ضمير أم أزمة وطن؟

post-img

حسن نعيم/روائي وكاتب لبناني

تسفر أزمة النزوح الأخير التي يعيشها النازحون اللبنانيون، في هذه الحرب، عن أزمة ضمير إنساني غائب وانعدام لمثل وقيم إنسانية لطالما تغنى فيها اللبنانيون على امتداد تاريخهم وانتمائهم إلى هذه الأرض وإلى هذا البلد..  كما تتكشف أزمة وطن وهوية وانتماء عن بلد عشّشت فيه فطريات طائفية رمت بيوضها الخبيثة الدول الاستعمارية في البيت اللبناني من لحظة الولادة والاستقلال.

هي الصيغة اللبنانية  الغريبة العجيبة، وبدعة الطائفية السياسية، والتي ما يزال المستفيدون من تناقضاتها يروجون لها ويزعمون أنها صيغة العيش المشترك التي لا بد منها والركيزة والبنية الأساسية التي تقوم عليها هياكل التنمية والتطور والازدهار متناسين الانقسامات والحروب والويلات التي جرّتها على البلد، منذ قيام دولة لبنان الكبير في العام ١٩٢٤.

هذه اللحظة التاريخية، من لحظات الأزمات الكبرى التي يمر فيها لبنان، هي أكبر دليل على عمق هذه الذهنية الطائفية الفتّاكة، فبدلاً من تقديم القيم الوطنية والإنسانية والأخلاقية على ما عداها، في هذه الأزمة الوطنية الكبيرة، وبدلاً من أن يتحوّل الإنسان إلى إنسانٍ فقط، بلا تصنيفات أو انتماءات ضيقة، نرى الأحقاد الدفينة تطفو على السطح من دون أي وازع من ضمير أو احساس بوطنية أو تعاطف مع عوائل كريمة قدمت خيرة أبنائها سياجًا للوطن ودفاعًا عن حدوده الجنوبية.

لقد كشفت الخطابات السياسية الطائفية لسياسيين، من أمثال نائب بيروت وضاح الصادق والنائبين نديم الجميل وغسان حاصباني وغيرهم، والتي رافقت موجة النزوح الأخيرة، لغة تصنيفية، تُقسّم الناس وفقًا لهوياتهم لا وفقًا لحاجتهم من دون النظر إلى هؤلاء النازحين بصفتهم الحقيقية وهي أنهم مواطنون فقدوا أمانهم وبيوتهم وذكرياتهم ومدارس أبنائهم..

لقد خرج بعض هؤلاء النازحين بثيابهم حاملين حقائب صغيرة لا تكفي حاجاتهم، وانتشروا في الشوارع، نام بعضهم في السيارات، ونصب بعضهم الآخر خيامًا على كورنيش البحر، وتكدس القسم الأكبر منهم في مراكز الإيواء في غرف ضيقة، يختلط فيه بكاء أطفالهم على ألعابهم المنسية تحت الركام بدموع  أمهاتهم المريرة على معيشة وظروف قاسية لم يعتدنها ولم يتمكنّ من التكيّف معها.

يترافق مع هذه النزعة الطائفية، ويعززها سياسات وأداء وسائل إعلامية لبنانية؛ إذ تسنتبت هواجس أمنية وتستدعي مخاوف ديموغرافية - إنشاء "أوزاعي" جديدة، وتحول المكان إلى مخيّم يشبه المخيمات الفلسطينية.. ! وغيرها من الترهات المخجلة..

على رأس وسائل الأعلام هذه محطة mtv ؛ والتي لا تنظر إلى النازحين بصفتهم ضحايا حرب ينبغي التعاطف مع معاناتهم الانسانية؛ إنما تراهم امتدادًا لهوية سياسية أو طائفية، فقد أبرز مراسلو هذه المحطات الإعلامية آراء وتصريحات السكان الموتورة التي تدعو إلى طرد النازحين، في محاولة منها لتشجيع عدم استقبالهم، الأمر الذي أدى إلى التردد في إيوائهم أو في الحد الأدنى اختاروا الانتقائية في تقديم الدعم لهم.

المشهد المحلي القاتم في التعاطي مع النازحين لا ينبغي أن يغيب معه التعاطف الذي أبداه بعض أصحاب النخوة والشهامة، في خضم هذه المعاناة من اللبنانيين الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم لأبناء المدن والقرى المستهدفة بالقصف الصهيوني الوحشي. لقد كتب هؤلاء اللبنانيون الأصيلون قصص تضامن إنساني لافتة؛ فقد رأينا عائلات تفتح أبوابها لاستقبال النازحين، وشباب يتطوعون لتوزيع الطعام والدواء، وأطباء يحاولون سدّ النقص على الرغم من الإمكانات المحدودة. هذه المبادرات، مع بساطتها، تعيد بعض الأمل وتؤكد أن الحس الوطني ما يزال حيًا والروح الإنسانية ما تزال غضة طرية.

مهما يكن من أمر؛ وبالنظر إلى ملف النازحين بوجه عام، فهو يكشف خللًا أخلاقيًا، ينذر بتعميق الشرخ بين اللبنانيين، وينذر بمشهد آخر بعد انتهاء الحرب، والتي ستنتهي بلا ريب سواء طال أمدها أم قصر، مشهد تلوح ملامحه مغايرة تمامًا لما كان قبل الحرب، إنه مشهد الوطن الجديد الحر والمستقل الذي لا مكان فيه لأدعياء السيادة والاستقلال المزيفين، وطن لأبنائه الحقيقيين الذي بذلوا في سبيله دماءً وأبناءً ونزوحًا وتشردًا على الطرقات، واكتظاظًا وأطفالًا خارج المدارس، وأخبارًا حزينة عن قريب أو جار ودور مقصوفة وحكايات إنسانية من قلب المعاناة، وليال طويلة في خيم وأماكن غريبة لا تليق بكرامتهم. كل هذا التضحيات ليصنعوا بلدًا يليق بعزتهم وكرامتهم.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد