اوراق خاصة

اقتصاد الحرب.. الفوضى العالمية الجديدة

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم تعد الحروب، في غرب آسيا (الشرق الأوسط) أحداثًا عسكريةً منفصلةً عن الاقتصاد العالمي، لقد أصبحت جزءًا من آلية إعادة تشكيله. الأخطر أن الاقتصاد نفسه لم يعد متلقيًا سلبيًا للصراع، فقد تحوّل إلى عنصرٍ داخل بنيته. نحن أمام انتقالٍ من فكرة تأثير الحرب على الاقتصاد إلى فكرة اقتصادٍ يعمل داخل بيئة حربٍ دائمةِ الاحتمال.

الاقتصاد العالمي، اليوم، صار يقوم على الإنتاج، وليس على التوقع. إذ إن القيمة في الأسواق تُبنى على ما يُعتقد أنه قد يحدث، لا على ما هو قائمٌ فقط. لذلك؛ تتحول منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، في لحظات التوتر، إلى مركزٍ كثيفٍ لإنتاج عدم اليقين، وهو المادة الأكثر تأثيرًا في تسعير النفط والشحن والاستثمار العالمي.

إن ارتفاع أسعار النفط لا يعكس نقصًا فعليًا بقدر ما يعكس تسعيرًا فوريًا للخوف. إذ إن المضائق البحرية لا تُقاس بحجم السفن المارة فقط، إنما باحتمالات تعطيلها. بهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى أداةٍ ماليةٍ، وتتحول الحروب إلى محفزٍ لإعادة تسعير العالم لحظةً بلحظة.

لكن الأعمق هو أن هذه الحروب تكشف أن العولمة لم تكن محايدةً تمامًا. لقد بُني النظام الاقتصادي العالمي على افتراضٍ ضمنيٍ باستقرار مناطقَ استراتيجيةٍ. وعندما يُكسر هذا الافتراض، لا ينهار النظام فحسب، بل يعيد تعريف نفسه على أساسٍ أكثر حذرًا وأقل يقينًا.

هنا يظهر ما يمكن تسميته اقتصاد الردع غير المباشر. لم تعد القوة العسكرية وحدها أداةَ الصراع، لقد أصبحت القدرة على التأثير في سلاسل الإمداد ورفع كلفة التأمين وتحريك الأسواق. الحرب لم تعد في الميدان فقط، بل في أسعار الشحن والعقود الآجلة وتقلبات الطاقة. الاقتصاد هنا لا يتأثر بالحرب فقط، بل يشارك في إدارتها.

هذا يجعل كل اضطرابٍ في ممرات مثل باب المندب أو الخليج “هرمز” أو شرق المتوسط حدثًا محليًا في الشكل، لكنه عالميٌ في المضمون. الأسواق لا تتفاعل مع الوقائع فقط، بل مع احتمالاتها، ما يعني أن مجرد التهديد يكفي لإعادة تشكيل قرارات الاستثمار في قاراتٍ أخرى.

لكن الصورة لا تكتمل من دون فهم من يستفيد من هذا النوع من عدم اليقين. الاعتقاد بأن الحرب خسارةٌ شاملةٌ تبسيطٌ مخلٌ. هناك اقتصادٌ كاملٌ يعيش ويتغذى على التقلبات.

شركات التأمين البحري تعيد تسعير المخاطر ما يحول التوتر إلى مصدر أرباح. بعض أسواق الطاقة البديلة تستفيد من ارتفاع أسعار النفط لتسريع التحول نحوها. والمراكز المالية الكبرى تستفيد من زيادة التقلبات؛ لأنها تعني ارتفاع حجم التداول والأرباح المرتبطة به. بهذا المعنى، عدم الاستقرار نفسه يتحول إلى سلعةٍ غير معلنة.

في المقابل، تتحمل الاقتصادات الهشة في غرب آسيا (الشرق الأوسط) الكلفةَ الأعلى. هي تدخل الصراع من دون قدرةٍ حقيقيةٍ على امتصاص الصدمات. النتيجة ثلاثيةٌ مباشرةٌ: ارتفاع الأسعار، هروب رؤوس الأموال، وزيادة كلفة الاقتراض. ومع الوقت يتحول التضخم إلى حالٍ بنيويةٍ، ويتحول العجز المالي إلى جزءٍ من الهيكل الاقتصادي نفسه.

لكن التأثير الأخطر يظهر عبر الزمن، ويمكن فهمه عبر ثلاث طبقاتٍ متداخلةٍ. الأولى هي طبقة الصدمة الفورية، حين تضطرب الأسعار والطاقة وسلاسل الإمداد. الثانية هي طبقة التكيف، حين تعيد الدول والشركات ترتيب التمويل والإنتاج والاستيراد. الثالثة هي الطبقة البنيوية، حيث يعاد تشكيل العولمة نفسها نحو مزيدٍ من التجزئة وتقليل الاعتماد المتبادل.

في هذه الطبقة الأخيرة، تتحول العولمة من نظامٍ كفءٍ إلى نظامٍ حذرٍ. لم يعد الاعتماد المتبادل مصدرَ قوةٍ فقط، بل أصبح مصدرًا للمخاطر. هنا تبدأ عملية إعادة هندسةٍ هادئةٍ للاقتصاد العالمي، تقوم على تنويع الإمدادات وإعادة التصنيع المحلي وبناء احتياطياتٍ استراتيجيةٍ.

ضمن هذا السياق يصبح غرب آسيا (الشرق الأوسط) نقطةَ اختبارٍ للنظام كله. ليس لأنه مركز إنتاج فقط، بل لأنه نقطة اختناقٍ جيوسياسيٍ قادرةٍ على إعادة تسعير العالم في ساعات. الحرب هنا لا توقف الاقتصاد، بل تكشف هشاشته البنيوية.

نحن أمام تحولٍ أعمق، حيث يصبح عدم اليقين جزءًا من بنية النظام الاقتصادي نفسه، وليس انحرافًا عنه. وهذا يغير كل قواعد اللعبة. لم يعد السؤال كيف نمنع الصدمات، بل كيف ندير اقتصادًا يعيش داخلها باستمرار؟

كلما زاد الترابط العالمي زادت الحساسية إزاء أي اضطرابٍ إقليميٍ. وكلما حاول النظام تقليل المخاطر زادت تعقيداته الداخلية. نحن أمام نظامٍ شديدِ الكفاءةِ في الاستقرار، لكنه شديدُ الهشاشةِ في لحظة الصدمة.

في النهاية، لا يمكن قراءة اقتصاد الحرب، في غرب آسيا (الشرق الأوسط)، كأثرٍ جانبيٍ للصراع، بل كآلية إعادة تسعيرٍ مستمرةٍ للنظام العالمي. الحرب لا توقف الاقتصاد، بل تجبره على كشف منطقه العميق، حيث لم تعد القيمة مرتبطةً فقط بالإنتاج، بل بقدرة العالم على التنبؤ بالمستقبل بثقةٍ.

يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا مفتوحًا: هل يحاول العالم تجنب الحروب لحماية اقتصاده، أم أن الاقتصاد نفسه أصبح يحتاج إلى الصدمات ليعيد تعريف نفسه في كل مرةٍ يفقد فيها يقينه؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد