سعيد محمد/ جريدة الأخبار
يفكّك أندرو كوكبيرن في «واشنطن تحترق» بنية السلطة الأميركية بوصفها منظومة تنسيق بين رأس المال والسياسة والحرب. يتجاوز ترامب كظاهرة ليكشف آليات إنتاج القرار، من اللوبيات إلى المجمع العسكري، حيث تتحوّل الديمقراطية إلى واجهة، وتغدو الأزمات أدوات تشغيل تضمن استمرارية التراكم والهيمنة
عندما يكتب أندرو كوكبيرن، يذكّرنا بجرّاح ماهر. الصحافي الأميركي البريطاني وأحد كتّاب مجلة «هاربرز» المقيمين في واشنطن، راكم لعقود أرشيفًا من التحقيقات التي تعقّبت مسارات القوة داخل الإمبراطورية الأميركية. كتب عن حروب البنتاغون، وفشل رامسفيلد، وغنائم الحرب بيد ثابتة ومنهج قاطع: تعرية الحوافز التي تشكّل القرار، وربط السياسات العامة بالبنية الاقتصادية التي تحتضنها.
في كتابه الجديد «واشنطن تحترق: الفساد والأكاذيب في عصر ترامب» (Washington Is Burning: Corruption and Lies in the Age of Trump ـــ فيرسو ـ 2026)، يمدّد كوكبيرن الإمبراطورية على طاولة تشريح مفتوحة، يتجاوز سريعًا عارض دونالد ترامب، ليعيد رسم ما تمثله واشنطن جهازًا يعمل وفق قواعد محددة: يتدفق المال، وتتولى السلطة توجيهه إلى جيوب الأثرياء، وتؤمّن الحرب استمراريته، فيما تتراجع الفوارق الحزبية إلى مرتبة ثانوية، وتتحول الأحزاب إلى محض أدوات تنظيم داخل البنية نفسها، ليبقى الهدف ثابتًا دائمًا: تثبيت شروط التراكم الرأسمالي، وتوسيع مجاله.
الدولة كجهاز تنسيق طبقي
ينطلق التحليل من تعريف الدولة كمنصّة تنسيق بين مصالح القوى المهيمنة. واشنطن في هذا السياق كأنّها مركز إدارة أعمال، لا سلطة محايدة، التشريعات التي تصدرها نتاج صفقات، والسياسات العامة تتخذ شكل استثمارات مضمونة العائد، فيما جماعات الضغط (اللوبيات)، وشركات التصنيع العسكري، ومكاتب الاستشارات السياسية، تشكل معًا بنية متداخلةً تطبخ لحم القرار قبل أن يصل إلى قبة الكونغرس لتزيينه. تتحرك السياسة الأميركية، بهذا المعنى، داخل حدود مرسومة مسبقًا، حيث تظلّ الخيارات الحقيقية محكومةً باعتبارات التمويل والعائد.
في فصل «الجدران الحزبية»، يكشف كوكبيرن عن أولوية السيطرة التنظيمية داخل الحزبين الأميركيين (الجمهوري والديمقراطي) حتى على حساب مسألة الفوز الانتخابي ذاته. فالحزب وفق النموذج الأميركي يعمل كمؤسسة لإدارة الموارد، لا كأداة تعبير عن إرادة سياسية، فيعيد توجيه الأموال نحو مستشاري الحملات، والإعلانات، وشبكات النفوذ، بينما تأتي الانتخابات كطقس دوري لإعادة تثبيت الشرعية: يمنحها الصندوق الانتخابي شكل الديمقراطية الشعبية، لكن يظلّ المضمون دائمًا تحت هيمنة رأس المال.
المجمع العسكري: اقتصاد التدمير
يحتلّ المجمع الصناعي العسكري موقع القلب في هذه البنية. الحروب في منطق الإمبراطورية كأنها آلية تشغيل: فالإنتاج العسكري الهائل يحتاج إلى أسواق، وبالطبع ليس أفضل من التوترات الدولية لخلقها.
إن ميزانية البنتاغون التي تقترب من تريليون دولار تعكس منطقًا بسيطًا: تدفق المال يمثل الغاية المحور، لا الحسم العسكري، والحرب مجرد دورة اقتصادية، تبدأ بالعقود، لإنتاج سلاح للحرب الحالية، وتنتهي بموازنات أكبر، تنتج سلاحًا لا بد له من حروب جديدة لتصريفه.
يقدم كوكبيرن مشروع طائرة التزود بالوقود KC-46 كمثال لهذه الدائرة، عندما تستمر القوات الجوية الأميركية في شراء نموذج يعاني من أعطال تقنية، بكلفة تقارب 180 مليون دولار للطائرة الواحدة، ليفسّر ذلك بأنّ المسألة تتجاوز قضية الكفاءة العسكرية لتخدم ضمان استمرارية الأرباح لشركة «بوينغ» والحفاظ على تدفق العقود. هذا النمط يعكس ما يسمّيه «تسويق التكاليف»: كلما ارتفعت النفقات العامة، ارتفعت أرباح القطاع الخاص، ولذلك تكون الحرب نجاحًا في الاقتصاد، قبل أن تكون فشلًا أو نجاحًا في السياسة.
ترامب... إمبراطورية تتعرى
يضع كوكبيرن الرئيس دونالد ترامب في موقع مختلف عن القراءة الشائعة: لا يمثل انقطاعًا، بل لحظة تكثيف. كل ما في الأمر أنّ النظام الذي عمل طويلًا خلف واجهة ليبرالية مهذبة بدّل لغته اليوم، وما النهب الجشع وخطاب الانتقام والغضب المجنون إلا استعراضات لبنية قائمة بالفعل، وليس انحرافًا عنها.
بنية «السلطات الاستثنائية» مثلًا سبقت ترامب بسنوات طويلة. إذ توسعت هذه الصلاحيات خلال الإدارات المتعاقبة، من بيل كلينتون إلى جورج بوش الابن وصولًا إلى باراك أوباما، وشُيدت حولها منظومة تسمح بالتحكّم في الاقتصاد الرقمي، وتجميد الأصول، وفرض إجراءات استثنائية تحت غطاء الطوارئ. وجد ترامب هذه الأدوات جاهزةً في دفاتر الحكومة، واستخدمها بوقاحته الشخصية المعهودة كانعكاس لانتقال خطاب الإمبراطورية من مستوى الإيحاء الديبلوماسي، إلى مستوى التصريح الفج.
الإعلام... إدارة الانتباه
يتقاطع تحليل كوكبيرن مع أطروحات الفرنسي غي ديبور حول «مجتمع الفرجة» الذي اقترح أن السياسة في الديمقراطيات الغربية تحولت إلى عرض تلفزيوني متواصل، وتلاحق فيه الكاميرات التفاصيل الشخصية، تاركةً بنية هيمنة الإمبراطورية من دون مساءلة، ليقتصر دور الإعلام على حرف الانتباه نحو الفضائح اليومية، والتصريحات المثيرة، والجدالات التلفزيونية، ما يخلق تشويشًا يغطي على الآليات العميقة لإنتاج القرار.
خصخصة الموت... درس الجائحة
يصل تحليل كوكبيرن إلى ذروة قسوة المنظومة على الإنسان في فصله حول دور الرعاية خلال جائحة كورونا، عندما يصف التداخل بين رأس المال الخاص وثنائية الحياة والموت اليومي في تلك المراكز. لقد تسرّبت شركات الملكية الخاصة إلى هذا القطاع عبر هندسات مالية تستهدف أساسيًا تعظيم الأرباح، فتبنّت استراتيجيات تقليص العمالة، وخفض جودة الخدمات، وتحميل المؤسسات ديونًا ضخمة، ثم استخراج العائدات عبر الرسوم وإعادة التمويل.
كلفة هذه الهندسات على الحياة البشرية انكشفت جلية لحظة الأزمة: معدلات وفيات مرتفعة، ومؤسسات عاجزة، وسكان بلا حماية، مع دور الرعاية وقد استحالت مصائد موت تتكدس فيها هشاشة الفقراء، فيما الدولة تلعب دور حارس الأملاك: في ولايات مثل نيويورك، حصلت هذه المؤسسات على حصانة قانونية من الملاحقة، في مقابل شبكة من التبرعات السياسية. لقد تحقق الربح في هذا القطاع حرفيًا من إدارة الخسارة البشرية.
غزة: مختبر القتل بالتكنولوجيا
في الفصول الأخيرة، يتوسع التحليل نحو الساحة الدولية، إلى غزة، التي تحولت إلى نموذج مروّع لتقاطع التكنولوجيا مع العنف المنظم. الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل نظام «ذي غوسبل»، تعمل على توليد أهداف عسكرية بسرعة فائقة، وتدخل عملية اتخاذ القرار بإطلاق النار مرحلة الأتمتة، ليصبح القتل جزءًا من تدفق بيانات.
شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل بالانتير ومايكروسوفت، تجد في هذه البيئة مجالًا لتوسيع عقودها وتعزيز حضورها في القطاع الدفاعي. والدعم السياسي لهذه العمليات مرتبط حكمًا ببنية التمويل السياسي، حيث تلعب شبكات الضغط، مثل اللوبي الصهيوني (إيباك)، دورًا محوريًا في توجيه القرار ومنح العقود الضخمة. إن التكنولوجيا لا تعمل عند الإمبراطورية كأداة محايدة، بل كجزء من اقتصاد العنف.
نظام يعمل كما صمم
«واشنطن تحترق» تشريح محترف لنظام يصل إلى مرحلة تصبح فيها الأزمة هي الشكل الطبيعي للاستقرار: لا تُحل فيه التناقضات، بل تُدار، ولا تمنع الأزمات، بل تُستثمر، ويظهر الفساد، المحسوبية، والإنفاق المفرط، كآليات تشغيل، لا كاختلالات عرضية. إنّ كل مستوى من مستويات النظام يعيد إنتاج هذا المنطق، من أصغر البلديات إلى أكبر مراكز صنع القرار الفيدرالي.
قوة الكتاب تكمن في ربطه بين التفاصيل الدقيقة والصورة الكلية لماكينة تشغيل الإمبراطورية، حيث يمكن في النهاية تتبع أي مشروع عسكري متعثر، أو صفقة طاقة فاسدة، أو قانون محلي إلى البنية الأوسع التي تدير تدفق المال والسلطة، وتكيف الدستور والتشريعات كإطار قابل لإعادة التفسير مع متطلبات التراكم وحدود القوة كلما نشأت الحاجة.
ينجح كوكبيرن في إزاحة التركيز عن الأفراد وإعادته إلى البنية، لأنّ الصراع الأساس لا يدور حول شخص الرئيس ومن حوله، بقدر ما يتعلق بالآليات التي تنتج السلطة، وتعيد توزيعها. واشنطن العاصمة عنده ليست مدينة تتعرّض لحريق مفاجئ، بل نظام يعمل وفق تصميم محدد، نتيجته حتمية وفقًا لمسار طويل من التراكم غير المقيد.
السؤال إذن عند قراءة الإمبراطورية ليس أبدًا: من يحكم؟ بل كيف تعمل الماكينة؟ والإجابة، كما يكشف الكتاب: إنها منظومة تتغذى على الأزمات، وتعيد إنتاج نفسها من داخلها، وتدفع حدودها إلى مزيد من التمدد. إن واشنطن لا تحترق أيها السادة، وإنما تعمل بكفاءة فائقة كما صُمِّمت لتعمل. قراءة إجبارية!