اوراق خاصة

بين الإشارة والقرار.. هل فعلًا سيحدث اجتياح بري لجزيرة "خرج" الإيرانية؟

post-img

معتز منصور / كاتب وباحث سياسي

ليس كل تصعيدٍ إعلانَ حرب، لكن الخطأ القاتل أن يُقرأ كأنه كذلك. في لحظةٍ إقليميةٍ مشحونة، تتكاثر الإشارات القادمة من واشنطن، من دعوةٍ طارئةٍ أطلقها دونالد ترامب لاجتماعٍ خارج إيقاع المؤسسة المعتاد، إلى دفعٍ إعلاميٍّ واضحٍ عبر أصواتٍ محافظة؛ مثل مارك ليفين على شاشة فوكس نيوز، وصولًا إلى تحريك قطعٍ عسكريةٍ نوعيةٍ، مثل السفينة يو إس إس تريبولي (LHA-7) بما تحمله من قوات إنزالٍ برمائيٍّ وقدراتٍ هجومية.

المشهد، في ظاهره، يبدو تمهيدًا لشيءٍ أكبر. لكن السياسة، كما هي في حقيقتها، لا تُقرأ بظاهرها، إنما بمنطق المصالح وحدود القوة.

القراءة السطحية لهذه الإشارات تقود مباشرةً إلى سيناريو الحرب الشاملة، إلى حديثٍ عن إنزالٍ بريٍّ في أصفهان للسيطرة على برنامجٍ نوويٍّ موزعٍ ومحميٍّ، أو عن السيطرة على جزيرة خرج لخنق الاقتصاد الإيراني، أو حتى عن احتلال جزرٍ استراتيجيةٍ قرب مضيق هرمز، مثل جزيرة قشم وطنب الكبرى، تمهيدًا لإعادة تشكيل السيطرة على الخليج. هذه ليست أفكارًا خيالية، هي سيناريوهات تُدرَّس داخل غرف التخطيط العسكري. لكنها، وهذا هو الفارق الحاسم، ليست قرارات.

الفارق بين “ما يمكن فعله” و”ما سيتم فعله” هو جوهر السياسة. هنا تحديدًا يقع الخلط؛ لأن الولايات المتحدة، بعد تجربتي حرب العراق والحرب في أفغانستان، لم تعد ترى الحرب البرية أداةً سهلةً لتحقيق الأهداف، بل عبئًا استراتيجيًا مفتوحًا على الاستنزاف. الدخول ممكن دائمًا، أما الخروج فليس كذلك. هذه ليست حكمة نظرية، هي خلاصة تجربةٍ كلّفت واشنطن سنواتٍ من التورط وخسائر يصعب تسويغها سياسيًا.

بناء على ذلك؛ يصبح السؤال الحقيقي: لماذا هذا التصعيد إذًا؟

الجواب في إدارة الضغط، ولا يكمن في نية الحرب الشاملة. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى احتلال إيران لتُخضعها، بل إلى رفع كلفة خياراتها. التلويح بالقوة، تحريك القطع العسكرية، وتضخيم الخطاب الإعلامي، كلها أدوات ضمن معادلة واحدة: دفع طهران إلى إعادة حساباتها من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة.

لكن هذه المعادلة ليست أحادية الاتجاه. إيران ليست هدفًا ساكنًا، هي فاعل يملك أدواته الخاصة؛ حيث إن أي محاولةٍ للسيطرة على عقدٍ حساسةٍ، مثل جزيرة خرج أو الاقتراب من مضيق هرمز، لن تُقابل بردٍّ موضعي، إنما بفتح مسرحٍ أوسع، حيث تتحول الجغرافيا كلها إلى ساحة اشتباك. عندها، لا تعود المسألة “عمليةً محدودة”، بل بداية سلسلة تفاعلاتٍ قد تخرج عن السيطرة.

في هذا السياق تحديدًا؛ تكمن خطورة اللحظة. ليس في وجود خطةٍ جاهزةٍ لغزوٍ شامل، بل في احتمالية أن يُساء تقدير الإشارات. حين ترفع واشنطن سقف التهديد، قد تقرأه طهران تمهيدًا لضربة، فترد استباقيًا. وحين تتحرك إيران، قد تُفسَّر حركتها تصعيدًا يستوجب ردًا أمريكيًا أكبر. هكذا تبدأ الحروب الحديثة، لا بقرارٍ واضح، بل بسلسلة سوء تقدير.

الإعلام، في هذه المعادلة، ليس ناقلًا محايدًا، هو جزء من صناعة المشهد. ما يطرحه مارك ليفين عن “ضرورة الوصول إلى اليورانيوم” أو "إمكان نشر قوات على الأرض"، لا يُفهم على أنه خطة تنفيذية، بل بوصفه أداة ضغطٍ على الرأي العام وصانع القرار معًا. إنه يوسّع هامش المقبول، حيث يصبح ما كان مستبعدًا قابلًا للنقاش، وما كان صادمًا ممكنًا تسويغه.

أما التحرك العسكري، مثل وجود يو إس إس تريبولي (LHA-7)، فهو يعكس ما يمكن تسميته "جاهزية من دون نية".. أي وضع الأدوات في مكانها الصحيح، حيث تكون الخيارات مفتوحة، من دون الالتزام باستخدامها. الفرق هنا دقيق، لكنه حاسم؛ لأن امتلاك القدرة لا يعني بالضرورة اتخاذ القرار.

في المقابل، الرهان على أن التصعيد سيبقى مضبوطًا هو رهان محفوف بالمخاطر. التاريخ القريب يثبت أن الحروب نادرًا ما تسير وفقًا لالخطط المرسومة لها. تبدأ محدودة، ثم تتوسع، وتتحول من عمليةٍ قصيرةٍ إلى استنزافٍ طويل. هذا ما حدث في حرب العراق، وهذا ما تكرر في الحرب في أفغانستان، حيث تحولت الأهداف السريعة إلى تورطٍ ممتد.

المفارقة أن الجميع يعرف هذه الحقيقة، ومع ذلك يستمر في اللعب على حافة الهاوية. ذلك؛ لأن البديل، في نظر صناع القرار، ليس الاستقرار، إنما  فقدان القدرة على الردع. وهنا تدخل المنطقة في حلقةٍ مغلقة: كل طرفٍ يرفع سقف التهديد ليمنع الحرب، لكنه في الوقت نفسه يزيد احتمالية وقوعها.

الخلاصة

إن ما يجري ليس مقدمةً حتميةً لغزوٍ بري، هو مرحلة ضغطٍ قصوى تُختبر فيها حدود الطرفين. الخطر الحقيقي لا يكمن في السيناريوهات القصوى بحد ذاتها، إنما في المسافة القصيرة التي قد تفصل بين التلويح بها والانزلاق إليها. في هذه المسافة تحديدًا، تُصنع الحروب.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد