عباس صبحي حدرج/جريدة الأخبار
لم تعد في العصر الرقمي الراهن، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها المشهد العسكري في لبنان، منصات التواصل الاجتماعي مجرد ناقل للخبر، بل تحولت إلى «ميدان صراع رمزي» يعيد تشكيل الرأي العام. يُعتبر النقر على رموز التفاعل بمثابة «رسالة مشفرة سريعة»، ففي بيئة أمنية حساسة كالتي يعيشها لبنان، يمثل «اللايك أو القلب أو الضحك» وسيلةً للتعبير عن الموقف السياسي بأقل قدر من المخاطرة الشخصية أو الجدال المنهك مع الخصوم. إنها «الديمقراطية الرقمية الصامتة» التي تتيح للجمهور التصويت على «شرعية الفعل العسكري» بضغطة زر واحدة.
تكتسب «التفاعلات الرمزية (Reactions)» في سياق الصراع المستمر في لبنان، وتحديدًا مع بروز الفيديوهات التي توثق العمليات العسكرية للمقاومة، أبعادًا سيكوسوسيولوجية عميقة، فهي تمثل «الأصوات الصامتة» التي تعبر عن الانقسامات المجتمعية في بيئة شديدة الاستقطاب.
بالاستناد إلى نظرية التفاعل الرمزي في علم النفس الاجتماعي، نجد أن مستخدم فيسبوك اللبناني لا يتفاعل مع الفيديو كـ «مادة بصرية» فحسب، بل كـ «رمز لهوية صامتة». قبل النقر، يمارس المستخدم عملية تفكير اجتماعي؛ فهو يدرك أن «نقره» سيراه الآخرون (الأهل، الأصدقاء، البيئة). لذا، فإن عملية النقر أو الضغط على رمز معيّن إنّما هو تعبير صامت عمّا يتبناه من آراء.
حساب قناة «الجديد»
إن اختيار حساب قناة «الجديد» على فايسبوك، بوصفها منصة إعلامية تجذب جمهورًا متنوعًا وغير محصور في لون طائفي أو حزبي واحد، يوفّر عينة بحثية «عابرة للاصطفافات» إلى حدٍّ مقبول. لذا، فإن تحليل هذه التفاعلات —بما فيها من إعجاب / حب / ضحك / غضب— لا يهدف فقط إلى إحصاء الأرقام، بل يسعى إلى تفكيك وفهم كيف يستخدم اللبنانيون الأيقونات الرقمية كأداة للمواطنة، للاحتجاج، أو لتثبيت الانتماء السياسي في ظلّ تشويش خطابي هائل.
تكمن الأهمية الجوهرية لهذه المقالة في رصد «المزاج الرقمي» لعينة مهمّة من الجمهور اللبناني على منصّة فايسبوك تجاه موضوع انقسامي يطغى على الأحداث الراهنة في الساحة اللبنانية والعالمية خلال الفترة الممتدة من 20 نيسان ولغاية 3 أيار أي بعد الهدنة المؤقتة التي تمّ التوصل إليها على الجبهة اللبنانية نتيجة للضغط الايراني كشرط لبداية التفاوض.
يعد اختيار هذه المنصة تحديدًا اختيارًا استراتيجيًا كبيئة تحليلية؛ إذ يمثل فايسبوك في السوسيولوجيا اللبنانية «المقهى الرقمي» الذي يضم الشرائح الشعبية العريضة، والطبقة الوسطى، والفئات العمرية الأكثر استقرارًا ونضجًا (25-55 عامًا). هؤلاء يمثلون «العمود الفقري» للمجتمع، وتفاعلاتهم تعكس نبض الشارع الحقيقي بعيدًا عن نخبوية منصة «X» أو ترفيهية «تيك توك». كما أنّ تطبيق فايسبوك يسمح بخيارات تفاعلية متعددة كما ذكرنا سابقًا ممّا يتيح للملاحظ تحليل التفاعلات الرمزية المتنوّعة.
تفصيل الدراسة
تقوم هذه المقالة على تحليل كمي ونوعي لـ 14 مقطع فيديو تم رصدها بدقة على صفحة «قناة الجديد». إنّ الأرقام المستخرجة لا تمثل مجرد إحصاء حسابي، بل هي انعكاس لكتلة بشرية تفاعلت مع لحظة زمنية حرجة (من 20 نيسان إلى 3 أيار) أظهرت قفزات تفاعلية بارزة مع فيديوهات المقاومة العسكرية مقارنة بغيرها من المحتوى الإعلامي المنشور.
جدول البيانات: خريطة التفاعلات الرمزية
يمثل الجدول التالي الهيكل العظمي للمقالة، حيث يظهر التوزيع العمودي للقوى الرقمية المتفاعلة مع فيديوهات المقاومة:
جدول يوضح أنواع التفاعلات على المنشورات التي قامت الدراسة بمراجعتها

يكشف الرصد الإلكتروني على صفحة «قناة الجديد» أن الأخبار السياسية أو المقابلات الحوارية غالبًا ما تحصد تفاعلات محدودة لا تتجاوز بضع مئات (تتراوح بين 100 إلى 900 تفاعل أي ما دون الألف) ، بينما تنفجر الأرقام لتصل إلى عشرات الآلاف عند نشر فيديوهات المقاومة (لتتخطى الـ 14,000 و15,000 تفاعل أحيانًا).
سيكولوجيًا، يعكس هذا حالة من «الاستنفار الوجداني». هذا الانتقال الدراماتيكي يشير إلى ما يُعرف بـ «الانتباه الانتقائي الجمعي»، حيث يتحول فعل «النقر» من مجرد إعجاب تقني إلى نوع من «الانخراط السياسي الرمزي». ممّا يؤكد أنّنا أمام «حدث طاغٍ» يعيد ترتيب أجندة الاهتمام العام ويفرض نفسه كأولوية قصوى في الوعي الجمعي اللبناني. هذا التباين يثبت أن المقاومة ليست مجرد خبر، بل هي «المحرك المغناطيسي» الذي يجذب انتباه الجمهور ويجبره على اتخاذ موقف (حتى لو كان مجرد نقرة).
الحاضنة مقابل التسفيه
تشكل النقرات على الرموز الإيجابية (Like, Love, Care) أكثر من 98% من إجمالي التفاعل. هذا الرقم الضخم يمنح شرعية شعبية رقمية للمحتوى المعروض، ويؤكد وجود «حاضنة رقمية» عريضة تتجاوز الأطر الحزبية الضيقة لتشمل جمهور القناة العام.
تسجيل 775 تفاعل «Haha» يكشف عن طبيعة المعارضة الرقمية في لبنان، فهي ليست معارضة صدامية غاضبة، بل هي معارضة «تهكمية». يلجأ المستخدم المعارض لهذا الرمز كآلية نفسية دفاعية في مقابل «هيبة الحدث». فبدلًا من الاعتراف بقوة الفيديو، يحاول «تسفيهه» بالضحك، وهو تكتيك دفاعي كلاسيكي لنزع الشرعية عن الآخر دون الدخول في مواجهة خاسرة رقميًا.
خلاصة
تخلص هذه المقالة التحليلية إلى أن الفضاء الرقمي اللبناني، وتحديدًا منصة «فايسبوك»، لم يعد مجرد مرآة عاكسة للواقع، بل أصبح ساحة إنتاج للمعنى ومختبرًا حقيقيًا لقياس التحولات في العقل الجمعي. إن البيانات الإحصائية التي رصدناها على مدار 14 فيديو، والتي أظهرت تدفقًا تفاعليًّا انتقل من «المئات» في المحتوى الاعتيادي إلى «عشرات الآلاف» في محتوى المقاومة، تسقط بشكل قطعي فرضية «الانقسام المتساوي» في الاهتمام العام، وتؤكد أن الفعل المقاوم يشكل اليوم «المركزية الوجدانية» للجمهور اللبناني العريض.
إنّ هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء لمرات النقر، بل هي «وثيقة سياسية رقمية» تثبت فشل استراتيجيات «كي الوعي» وتفكيك الروابط بين المقاومة وبيئتها. لقد أثبت المتابع اللبناني، من خلال انحيازه الواضح في صفحة «قناة الجديد» (باعتبارها مساحة تقاطع وطنية)، أنّه يمتلك وعيًا نقديًا يحوله من مستهلك سلبي إلى «مشارك رمزي» في المعركة.
في الختام، نستنتج أن «المعركة على الرمز» في لبنان لا تقل ضراوة عن المعركة في الميدان؛ فالنقرة التي يضعها رب الأسرة أو الشاب اللبناني اليوم هي بمثابة «تصويت إلكتروني» يومي على خيارات الهوية والانتماء. إنها رسالة واضحة لكل متابع وباحث: «في زمن الحرب النفسية، يظل الرقم هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها، وتظل المشاعر الجمعية الموثقة بالآلاف هي السد المنيع الذي يحمي الروح المعنوية للوطن».