اوراق خاصة

يا أيها القاصد رضوان ربك في ضد الظلام اصرخ ملء الأرض رفضَا

post-img

نجوى الموسوي/ كاتبة وقاصة

وأنت تفكّر في الغربة وما الغربة، في أثناء أزمنة الحروب، لعلك تظنها -إن كنت نازحًا- واقعةً في أن تهجر عاداتك وتنسى اسمك، أو أن تتحدّث يوميّا مع أشخاص بغير لغتك، أو أن تتصبّح برجل مهذّب؛ لكنه ليس من تحبُّه، أو أن توجّه إرشادا لولد وأنت تعرف أنه لن يستجيب، أو حتى أن يصلي قربك إنسان صاحب صوتٌ طالما نفرت منه، أو أن تهمّ بتناول دواء فلا تجد لك مكانًا ولا شربة ماء ولا وقتًا، أو أن تؤدي تمارينَك فتخشى ما تسبّبه حركتك من أذيةٍ لغيرك.

بلى، لعل غربةً تقع في هذه الزاوية من التمازج بين ما تحب وما تكره؛ كما بين اللغة والكلام الممسوخ، وبين التحيّة والحقد، وبين النصح والغضب، وبين الصلاة والصوت المنكر وبين الحاجة ودمار الإمكانية، وبين الرياضة والانحباس عنها.

تغرق في الكثير مما يكبتُك، ويحجّمُ إرادتَك وحريتَك، ثم تسأل نفسك لم لا تحاول التغلب؟

تفترض إجاباتِ الخاطر؛ لخفّفت عنك غصص الاغتراب لو راجعت الذاكرة، ولو استخدمت مفردات مشتركة مع أخيك الإنسان، ولو صُمتَ عن اللغو والضغينة وصلّيتَ سرّا لمن لا يغلطه سؤال عن سؤال، ووجدت َمتسعًا يكفي للتنفّس ولمنعِ كبت الآخرين ولصار كل ذلك سياجًا.

.. ثمّ تجتاز السياج إلى أبعد وأبعد، فتفكّر في غربة المساجين ظلمًا؛ وهم بين حديد وجوع وبردٍ وحرّ وعطشٍ ومرضٍ وعتمٍ وافتقادٍ واحتضار وقرار بالقتل والإعدامِ، وهم مقيّدو الأيدي بعد كل ما يفوق خيال الشياطين من التعذيب والانتهاك والعنف والترهيب و..

تجتاز.. وبذلك تنجو.

ثم تقفز بعيدًا عن أوهام الفردانية إذ تستحضر ملايين الصور المستنسخة عن بؤساء "هيغو" في المجتمعات، وعن معذّبي "طه حسين" في الأرض، وعن أسفار "إبراهيم نصر الله" في الملهاة الفلسطينية.

.. فيا أيها الغريب الذي عجنَتك فراغات الغربة، لقد بدأت تبتلع مذاق تكبيلك من ساديّ بغيض ويلسعك بأصناف النيران، وبدأت تفهم ما الذي يعنيه ويتفجّرُ عنه إعدامُ عشرات الآلاف من الأسرى العُزل الجرحى.

يا أيها القاصد رضوان ربك في موقفك ضد الظالم، دقّق، تأمّل، تجاوز، وقرّر، وافعل شيئًا لتصرخ ملء الأرض رافضًا مجزرة يندى لها جبين الإنسانية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد