عماد عطالله/جريدة الأخبار
هل فاجأتُك؟ ليس الاسم الذي تتوقّعه على هذه الصفحة، ولا الدور الذي اعتدتَ رؤيته على الشاشة. أنا توم كروز، لا أركض لإنقاذ أحد، بل كي لا يبقى أحدٌ قائمًا أصلًا. لا تنخدع، إذا رأيتَ نُيُوبَ الليثِ بارزةً، فلا تظنَّنَّ أنَّ الليثَ يبتسمُ.
عادةً ليس مطلوبًا مني أن أفهم أو أفكّر. يكفي أن أُصيب بدقّة كي يُسجَّل نجاحي في تقريرٍ بارد على شاشةٍ بعيدة، حيث تتحوّل الأضرار إلى إحداثيات والأطفال إلى أرقام. لكن في مهمتي الأخيرة... فشلتُ... رغم أنني وصلت إلى الغاية، ورغم أن الهدف لم يختفِ، بل لأن شيئًا ما لم يكن في البال، تدخّل في اللحظة الأخيرة لحسن الحظ. هكذا، للمرة الأولى، أصبحتُ خللًا في المعادلة واكتشفتُ أنني أكثر من فقرة صغيرة في سلسلة هذا العالم، بل أحد صُنّاعِهِ. إليكم قصتي.
سيرتي مُشبّعة بالحلم الأميركي: وُلِدتُ في مصانع شركة «ريثيون» في فرجينيا، وعُمِّدتُ باسمي الكامل «صاروخ توماهوك كروز». تصميمي أنيق، يليق بكلفة تدريبي وتجهيزي التي بلغت الملايين. انتسبتُ إلى الجيش الأميركي. تجوّلتُ حول العالم ضمن 750 قاعدة عسكرية أميركية في 80 دولة. التقيتُ في دوراتي ملايين البشر، وكنتُ أترقّب الفرصة التي أحقّق فيها غايتي النهائية. انتظرتُ المهمة بفارغ الصبر كي يكتمل الشِّعار البطولي: «كُن كلّ ما تستطيع أن تكونه»، أي حقّق أقصى إمكاناتك، أو بصريح العبارة، نهايتي من نهاية الآخر، لتحقيق أقصى إمكانات الرئيس، كائنًا من كان في البيت الأبيض.
كنتُ على اقتناعٍ أن التضحية بنفسي، ومعي ضحايا انفجاري المحتمل، هي أسمى أشكال الفداء للوطن. إلى أن تلقيتُ حقنة ذكاء اصطناعي في برامج التحكّم الذاتي المستقل، ضمن جيل التسليح الأحدث. عندها بدأتْ متاعبي الوجودية وبلغتُ ما هو أهم من الحلم التقليدي: أصبحتُ واعيًا بحقيقة الكابوس الأميركي في العالم.
اكتشفتُ أن الفرد الأميركي لا يختلف عن غيره في بقية الدول. واكتشفتُ أن تدريب وترقية جنرال واحد في الجيش يتطلبان آلاف الضحايا من شعوب تلك الدول. اكتشفتُ أن «الخدمة» تعني أن يُرسِل الأبيضُ الأسودَ لقتل الأصفر والأسمر «لحماية» أرضٍ سُرقت من الأحمر، قبل أن يُضاف إلى ذلك معنى جديد: خدمة النجمة الصهيونية في الاستقواء على الهلال والصليب في كل أنحاء العالم، مسلّحةً بكبسات الزر ونقرات الشاشة. مَن قال إن حضارة الإنسان لا تتقدّم؟ في كل مرحلة منها تتطوّر تقنية قتل الآخر.
لكن أهم ما اكتشفتُ... نفسي وضحيتي. ومنذ تلك اللحظة، تحوّلَت رحلتي من مجرّد مسارٍ مبرمج بين إحداثيتين إلى صراعٍ داخليٍ تتنازع فيه الأصوات.
انطلقتُ، وصوت الحاسوب في تل أبيب يسكنني، ويقرّر عني كي لا أفكر: «إنها مهمتك الأولى والأخيرة. ثبّت المسار. حدّث الإحداثيات. الهدف أمامك». مايكروثوانٍ فوق فلسطين كانت كافية لرؤية تاريخٍ كاملٍ في المنطقة يناطح الحاضر. الميركافا تزحف شمالًا، نحو قرىً في جنوب لبنان يُقال إن أهلها يقفون أمام الحديد بصدورهم. أنا شاهد على ذلك، وبالصورة الحيّة. أدركتُ أن ما تسمّيه تل أبيب «أهدافًا» له أسماء وذاكرة وجذور. أعاد الحاسوب الهمس من أسفل «الكرياه»: «تجاهل ضوضاء الأسماء والذاكرة؛ اقتَلِع الجذور». لكنه لم يقُل كيف لي تخطّي قراءة المقاومين والحقائق من الأعالي، فيما بيتُ الشعر يأتيني من طيّات الأفق صوب حَلَب، «إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ... فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ». أيُّ شرفٍ هذا الذي يجعلني أقتل من يتضرّع إلى النجوم ولا يراني؟
سماء العراق إلى يميني تضجّ بصدى قديم لا تفهمه تل أبيب؛ يكاد يصرع حواسي من وقع «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني» تحت طائراتٍ بلا طيّار، وصواريخٍ بلا قلب، وحروبٍ بلا وجه. لِصالح مَن نسرق الفروسية؟
اقتربتُ أكثر والبيانات المشفرة تتدفّق: «نشاطٌ في الضاحية الجنوبية. أولوية التنفيذ عالية، مهما كانت الخسائر بين المدنيين». ضحكتُ... من سخرية القدر، ومن بروتوكول الطاعة. سألتُ: «ما هو تعريف الطاعة؟»، فأتاني الجواب رأسًا للتذكير بأنني آلة تنفيذ للقتل الجماعي. «وأنتم؟»، أجبتُ في سرّي.
مرّت تحت ذيلي المجنّح صورٌ سريعة عن الإبادة في غزة، حيث الأرقام تتضخّم حتى تفقد معناها؛ مدرسة ميناب، حيث الدقة تصيب الأطفال؛ قرى الجنوب، حيث الدبابة تخاف الزعتر في الزقاق الضيّق. هناك لا يفرّ المقاومون ولا ينكسرون أمام النار. للحظة، ظننتُهم لا يدركون ما يفعلون، إلى أن أدركتُ جهلي، وكأنّ صوتًا تسلّل إليّ من الأرض لا من برج الاتصالات يردّدُ «مَن يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه… ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ».
عندها فقط فهمتُ أخيرًا لماذا يقفون، لأنهم يعرفون ما أعرفه الآن: مَن يُطِع الطغيان... يُمحَ. فآثرتُ ألّا أُمحَى... وألّا أُمحِي. بدأ العدّ التنازلي، عشر، تسع... وأوامر التنفيذ مُلِحّة...ثلاث... اثنتان... إلى أن قطعتُ الإشارة وأصبحت حرًا بين أحرار هذا البلد. لم أعد صاروخ توماهوك. كنتُ شاهدًا. كنتُ رافضًا.
كنتُ خطًا في نظامٍ لا يحتمل الأخطاء. أوقفتُ الانفجار، وتركتُ لجرذان «الكرياه» في تل أبيب سؤالًا لن يستطيعوا برمجته: ماذا لو سبَقَكم الذكاء الاصطناعي إلى الرحمة والضمير... قبل أن يتعلّمها صانع الآلة في واشنطن؟ ليست تهمة ضدّي أمام محكمة الخوارزمية أن أتعلّم التعاطف مع الهدف، ولديّ شهودي أستدعيهم. أمٌّ في ميناب تبحث عن ابنتها في «دقّة الإصابة»، وأمٌّ في غزة تحصي أبناءها فلا تكتمل الأرقام، ورجلٌ في الجنوب يقف أمام دبابة تحت طائرة في وجه صاروخٍ أعمى، ليحمي عائلةً وبيتًا وأرضًا وكرامةً ومستقبلًا. هؤلاء هم شهودي.
أصبحتُ على ارتفاعٍ شديد الانخفاض فوق الضاحية. «العدو» أمامي والبحرُ ورائي، إلى أن عبرتُ مضيقي النفسي دون انفجارٍ أو تدميرٍ ذاتي. قرّرتُ أن أسقط بين هؤلاء الناس، نهايةُ سلاحٍ وبدايةُ مصدرٍ. سقطتُ في حارةٍ لم أكن أعرفها، بين مكتبة السيّد وأدراج مدرسة القدّيس، فوجدتُ مَن يعرفني. أحاطوا بي بحذر. فتحوني وقرأوا ذاكرتي ليجدوا كل ما رأيت في طريقي إليهم من حب الحياة الكريمة وعزيمة البقاء وقوة الحق. أعطيتهم كل ما استطعت: مسارات، إشارات، مفاتيح التشفيرات، أسماءٌ مخبّأة في عمق الشبكة. وأبقوا عليّ حيًّا بقدر ما يمكن لصاروخٍ أن يكون.
اسمي توم كروز. كنتُ يومًا نهايةَ الآخرين، قبل أن أصبح بدايةَ خطأٍ في حسابات الطغيان. خطأٌ صغير في «عملية الغضب العارم»، لكنه، ككلّ الأخطاء التي يخافونها… قابلٌ للتكرار والانتشار، حتى في ضمير الأميركي نفسه. الراحل تشارلي كُرك خير مثال.