أسماء إسماعيل/جريدة الأخبار
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، واحتدام المعارك جنوبًا مع المقاومة، عادت إلى الواجهة مدينة «بنت جبيل» والقرى المحيطة بها من «مارون الراس» إلى «عيناثا» و«عيترون»، والتي تشكل نقطة التقائها ما يعرف بـ«مثلث التحرير».
هذه النقطة غنية عن التعريف بالنسبة لسكان المنطقة، فهي التي شهدت أعنف المعارف في حرب تموز 2006 مع محاولات العدو للتقدم نحو مدينة بنت جبيل، لدرجة لم تعد معها الناس تستدلّ على المقاهي أو المحال التجارية أو أي عنوان في محيط مدينة بنت جبيل عبر الخرائط التقليدية، بل يكفي أن يقال «مثلث التحرير». تلك النقطة التي تختصر الجغرافيا والذاكرة معًا، حيث يتداخل المكان مع سردية الصراع الممتد لعقود.
عند الأطراف الجنوبية لـ«بنت جبيل»، يتكوّن هذا المثلث من تقاطع بلدات «بنت جبيل» و«عيناثا»، و«عيترون»، على مقربة من الخط الأزرق الحدودي مع إسرائيل، ليشكّل عقدة استراتيجية وعسكرية حساسة. فالموقع، بتضاريسه الجبلية المعقدة وتلاله المشرفة ومسالكه المتشعبة، يفرض تحديات كبيرة على أي قوة معادية تحاول التقدم فيه، خصوصًا مع ارتباطه بممرات تؤدي إلى نهر الليطاني والمناطق الحدودية. لذلك، لم يكن مستغربًا أن يتحول إلى مسرح دائم للاشتباكات والغارات، وعلامة فارقة في المواجهة مع العدو الإسرائيلي.
خلال السنوات التي تلت انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000، اكتسب «مثلث التحرير» اسمه ودلالته من موقعه في قلب بيئة المقاومة، فلم يعد مجرد رمز لانتصار سابق، بل تحوّل تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز عسكرية متقدمة، حيث أُقيمت تحصينات وشبكات أنفاق وخنادق ومواقع إطلاق صواريخ، ما جعل أي محاولة للسيطرة عليه عملية معقدة ومكلفة.
مع تصاعد الصراع، بات المثلث محورًا ثابتًا للمعارك البرية والجوية، يعكس قدرة المقاومة على توظيف الجغرافيا لفرض توازن ميداني مستمر في جنوب لبنان.
في السياق نفسه، لم يكن مثلث عيناتا – بنت جبيل – عيترون مجرد تجمّع قروي، بل محور صراع حاسم منذ التحرير. وقد ترسّخت رمزيته أكثر مع خطاب التحرير الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله الشهيد حسن نصر الله من ملعب بنت جبيل عام 2000، حين وصف إسرائيل بأنها «أوهن من بيت العنكبوت»، ما منح مدينة بنت جبيل رمزية جعلتها هدفًا مباشرًا في حرب تموز 2006، حيث تعرّضت لتدمير واسع بعد فشل القوات الإسرائيلية في تثبيت سيطرتها عليها.
في تلك الحرب، برزت بنت جبيل والمناطق المحيطة بها كواحدة من أعقد ساحات القتال، حيث خاضت القوات الإسرائيلية مواجهات صعبة في محيط المثلث، وتعرضت لكمائن متعددة، من بينها معارك كرم الزيتون وتلة مسعود ومحيط مهنية بنت جبيل، وقد أظهرت تلك المعارك طبيعة القتال في المنطقة، حيث تتداخل التحصينات مع خطوط النيران، وتُستخدم الأنفاق والمواقع المحصّنة لإبطاء التقدم وشن هجمات مضادة دقيقة.
مع اندلاع الحرب في 12 تموز 2006، على خلفية عملية أسر جنديين إسرائيليين، فتح الباب أمام مواجهة واسعة، ورغم التفوق الجوي الإسرائيلي، تمكن حزب الله خلال وقت قصير من الحفاظ على وتيرة إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات دقيقة ضد القوات المتقدمة. وفي معركة بنت جبيل تحديدًا، اصطدمت محاولات التقدم الإسرائيلية بدفاعات محكمة، حالت دون تحقيق سيطرة كاملة على البلدة، ما كشف ثغرات في أداء الجيش الإسرائيلي أمام نمط القتال غير التقليدي.
حدود التفوق الناري
في دراسة نشرت عام 2007 تحت عنوان «The 2006 Lebanon War: Lessons Learned»، تشير إلى رؤية عدد من المنظّرين العسكريين، وفي مقدّمهم الإيطالي جوليو دوهِت والأميركي بيلي ميتشل، حول السيطرة الجوية لجهة قدرتها على حسم المعارك عبر استهداف العمق المدني والبنية الصناعية للخصم، بما يؤدي إلى كسر إرادته وإجباره على الاستسلام. وقد تعزّز هذا التصور خلال الحرب الباردة، مع تطوّر مفاهيم «القصف الاستراتيجي» والتركيز على ضرب «مراكز الثقل» التي يُفترض أنها تشكّل العمود الفقري لقدرة الدولة على الاستمرار في القتال.
تضيف الدراسة أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية شهدت تحولًا تدريجيًا منذ التسعينات، حيث ازداد الاعتماد على القوة الجوية كخيار مفضّل لتقليل الخسائر البشرية في صفوف الجنود. إلا أن هذا الخيار، رغم ما يتيحه من تفوّق ناري، فرض في الوقت نفسه قيودًا على القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة، إذ إن وقف إطلاق الصواريخ أو استعادة الأسرى، على سبيل المثال، كان يتطلب حضورًا بريًا أكثر فاعلية. وهكذا، تحوّل السعي إلى تقليل الخسائر إلى عامل يحدّ من إمكانية تحقيق نصر حاسم، بدل أن يكون وسيلة لتسهيله.
توضح الدراسة أن إسرائيل استندت في توجهها جزئيًا إلى تجربة حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، حيث أدّت الحملة الجوية إلى تحقيق أهدافها من دون تدخل بري واسع. غير أن محاولة إسقاط هذا النموذج على الحالة اللبنانية اصطدمت باختلافات جوهرية في طبيعة الخصم.
في كوسوفو، كان الهدف جيشًا نظاميًا ببنية واضحة ومراكز قابلة للاستهداف، بينما في لبنان، واجهت إسرائيل تنظيمًا غير نظامي يعتمد تكتيكات حرب العصابات، ويتحرك ضمن بيئة مدنية معقّدة، ما جعل فعالية الضربات الجوية محدودة في تحقيق حسم ميداني.
في المحصلة، أبرزت هذه التجارب حدود التفوق العسكري التقليدي في مواجهة خصم غير متماثل. فحزب الله، بوصفه فاعلًا غير دولتي، لم يمتلك بنية مركزية أو أهدافًا استراتيجية كبيرة يمكن تدميرها بسهولة، بل اعتمد على الانتشار المرن، والقدرة على التكيّف، واستثمار الجغرافيا، ما صعّب مهمة تحويل التفوق الناري إلى إنجاز سياسي أو عسكري حاسم.
اليوم، ومع التصعيد المستمر منذ مطلع آذار 2026، يعود «مثلث التحرير» إلى واجهة المشهد الميداني، حيث تشهد المنطقة عمليات برية وجوية مكثفة، في ظل محاولات إسرائيلية لإقامة منطقة عازلة موسعة على الحدود. في المقابل، تواصل المقاومة استهداف القوات المتقدمة، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في القتال ضمن هذه الجغرافيا.
تحاول قوات الاحتلال التقدم عبر محاور التفافية، أبرزها من جهة جبل كحيل بين عيترون ومارون الرأس نحو مهنية بنت جبيل، متجنبة المسارات المكشوفة. كما تسعى للتوغل من محور كونين – عيناتا – عيترون باتجاه بيت ياحون وصف الهوا، مع احتمالات التمدد شمالًا نحو الطيري وحداثا. سُجلت بالفعل اشتباكات عنيفة في مناطق مثل «السدر» و«فريز»، حيث وقعت قوات إسرائيلية في كمائن محكمة، أسفرت عن قتلى وجرحى في صفوفها.
تكتسب هذه الحوادث دلالة خاصة، إذ تعيد تكرار سيناريوهات شهدتها المنطقة نفسها خلال حرب 2006، ما يشير إلى ثبات العوامل الميدانية التي تجعل من تلال المثلث نقاط استنزاف دائمة لأي قوة متقدمة.
ترجمة لميدان العمليات الدائرة اليوم، لم يعد «مثلث التحرير» مجرد رمز تاريخي، بل تحوّل إلى محور حيوي في معادلة الصراع على الحدود الجنوبية، فالتداخل بين الجغرافيا، والتحصينات، وخبرة المقاتلين، جعل منه نقطة حاسمة في تحديد مسار العمليات العسكرية.