د. ليلى صالح/كاتبة لبنانية
الحرب ظاهرة سياسية ثقافية اجتماعية شديدة التعقيد؛ لا تقاس بالقوة الصلبة أو بصفتها بعدًا واحدًا محدد للانتصار والهزيمة. إذ إن القوة والعنف قد يؤديلن إلى نتائج عكسية حين لا تربطهما بأهداف سياسية واضحة، مع غياب ثقافة اجتماعية تاريخية عن العدو المفترض، كما آلت إليه مسار الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي تطغى على شخصيته كثير من الشخصنة لنرجسيته الاستعراضية التي يتقمص فيها دور الإمبراطور، اتخذ قرار الحرب وفقًا لتوازنات أرته إياها من الكتل أو المجموعات المحيطة به، وهم أصحاب المصالح الاقتصادية والمجموعة الأيديولوجية المتطرفة مع أصحاب الأفكار الانعزالية (أمريكا أولًا)، فأثرت في تراجع دور المؤسسات الأمريكية التاريخية (البنتاغون، الكونغرس) في تحديد السياسة الاستراتيجية الأمريكية، حتى وُصف دخوله هذه الحرب وبالًا على العقلانية السياسية.
بعد أن دخلت هذه الحرب شهرها الثاني، في مسار ميداني بتصاعد بين الجبهتين، جبهة إيران والمحور وجبهة أمريكا وملحقاتها العربية، وصلت أمريكا إلى المرحلة الثالثة أو الرابعة من خططها الاستراتيجية، والتي قد تكون الأخيرة، مع مؤشر تصعيدي باتجاه عمليات إنزال برية كبرى في أصفهان (منشأة نطنز النووية)، بعد فشل ترامب في افتراضاته الأولية التي بنى عليها تحقيق أهداف حربه، والمحددة بسقوط النظام الإيراني في عدة أسابيع. وقد كانت: قطع الرأس والقادة، تحريك الشارع ضد النظام الإيراني، تعطيل القدرات الصاروخية، عدم تجرؤ إيران على إغلاق مضيق هرمز
وفقًا لرؤية إسرائيلية؛ المواجهة مع إيران ليست مسألة إقليمية فحسب، إذ إن واشنطن تسعى لترسيخ سيطرة استراتيجية أوسع في المنطقة، وبصورة خاصة حيال طرق الطاقة المركزية. إذ إن السيطرة الأميركية، أو حتى تأثيرها، في تدفّق النفط الإيراني، لا سيما إذا جرى تداوله بالدولار ضمن آلية "البترودولار"، يمكن أن يعزز مكانة الدولار والاقتصاد الأميركي، ما يُكسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل التنافس العالمي مع الصين وروسيا، اللتين تسعيان في الأعوام الأخيرة إلى توسيع نفوذهما في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) وبناء منظومات اقتصادية بديلة من النظام الغربي، إلى جانب إيران التي أصبحت شريكًا مركزيًا في هذا المسعى، وبشكل خاص في مجالات الطاقة والتعاون العسكري.
نتائج الميدان حتى اللحظة
غير أن ما آلت إليه نتائج الميدان، فشل أمريكا في تحقيق أهدافها الأولية بسقوط النظام إلى استدامة أربع مستويات من الصمود الإيراني في الميدان؛ يظهر لنا الحقائق الآتية:
- قدرة إيران على استدامة الرمايات الصاروخية التي تعطل الحياة الطبيعية في الكيان، وتهدد المصالح الأمريكية في الإقليم.
- قدرة على إشغال القواعد الأمريكية البحرية والبرية تحت مرمى صواريخ ومسيرات إيران والمحور.
- استدامة التحكم بمضيق هرمز، واحتمل 50% من التوتر والتهديد.
- استمرار التماسك الشعبي الداخلي والاستقرار النسبي.
لقد أنتج العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران واقعًا أمريكيًا مربكًا، ميدانيًا وسياسيًا، فحسابات "ترامب" في الداخل الأمريكي ليحافظ على شعبيته، يقيّدها لاءات ثلاث:
- الحسم بضربات أو حرب قصيرة.
- عدم ارتدادات الحرب على أسعار النفط داخل أمريكا.
- حجم خسائر التكلفة (الجنود والعتاد) يتوازى مع الأهداف.
إن تصاعد مسار الحرب بنجاح إيران في إفشال أهدافها، جرأها على طرح قضية التحكم بالسيادة على "مضيق هرمز"، والذي لم يمثل توسعة الصراع من الدائرة الإقليمية إلى النظام العالمي فحسب، مثّل أيضًا تداعيات أكبر من مفاعل قنبلة نووية إيرانية في تحديد موقع إيران وقوتها في النظام الدولي الجديد بتعريفاته الجديدة.
يأتي هذا التباين من وجهة نظر "إسرائيل"، من الهدف المركزي في هذه الحرب الذي تراه أمنيًا: تدمير القدرات النووية الإيرانية، تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، قطع الدعم عن الوكلاء الإقليميين الذين يشكلون تهديدًا مباشرًا لمواطنيها.
إذ يُنظر إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن على أنهما جزء من "حلقة نار"، بُنيت حول "إسرائيل"، على مدى أعوام، بهدف تهديدها من عدد من الجبهات في آن، لتكون أولى نتائج هذه الحرب سياسية في أضعاف مصداقية الولايات المتحدة الأخلاقية بربط مصالحها بمصالح "إسرائيل"، وتبيّن للدول الأخرى أن الاعتماد عليها محفوف بالمخاطر.. وها هي القواعد الأمريكية في الإقليم عاجزة عن حماية نفسها؛ فضلًا عن حماية الدول الإقليمية التي بنت استراتيجيتها الأمنية والقومية بناء عليها، حتى أصبحت عامل تهديد وجودي لأنظمتها في حرب أدرك فيها حلفاء المشروع الأمريكي بأنها ليست حربًا على إيران؛ إنما هي حرب على المنطقة؛ وفقًا لتعبير "أحمد أبو الغيط" أمين عام الجامعة العربية.
أهم النتائج حتى الآن:
- دوليًا؛ يتبدى مشهد عزلة "ترامب" ونتنياهو في الحرب بتراجع "الناتو" عن الدعم المباشر المطلوب منهم، نتيجة حسابات الربح والخسارة، ودعم غير مباشر لإيران من دول المشرق (الصين وروسيا) نتيجة مصالح مشتركة.
- إقليميًا؛ دول الخليج لم تتضامن في رؤية موحدة حيال الحرب على إيران؛ كما كانت سياستها، تتأرجح بين مستويات ثلاث: رافضة للحرب (عمان وقطر)، وسطية وحيادية(السعودية)، ومتورطة (الإمارات، الكويت، البحرين).
- إسلاميًا: توحيد الموقف الإسلامي ضد الحرب على إيران، وتنشيط العمل الدبلوماسي في وساطة مع واشنطن لإنهاء الحرب: باكستان، تركيا، مصر.
تاليًا؛ نحن في مخاض تحولات عميقة دولية وإقليمية وداخل المشروع الأمريكي- الصهيوني في المدى البعيد، إذ إن أمريكا اليوم: لم تعد الإمبراطورية التي تلتحق دول العالم بقرارات حربها، نحن أمام جبهة الباطل كله الذي يمثله نموذج "ترامب" غير الأخلاقي "النخب الإبستينية" مقابل جبهة الحق التي يمثلهها النموذج الأخلاقي بتحوّل الولي الفقيه القائد الإمام علي الخامنئي بعد استشهاده إلى رمز إنساني وسياسي عالمي.
تفوقها التقني وقوتها العسكرية لم تعد قادرة على حسم المعركة ورسم "اليوم التالي"، فهي تستطيع أن تبدأ حرب، إلاّ أنها لا تستطيع أن تنهيها كما قال الولي الشهيد.
خطابها السياسي لم يعد يرهب العالم ويخدعه في الحرب النفسية، فالأدوات المعرفية للرأي العام قد تغيرت، بعد معركة "طوفان الأقصى"، والعالم قد دخل في لحظة يقظة معرفية في مواجهة الخداع الإعلامي. ما سبق كله يؤكد بأنّ مسارات الحروب لا تُقاس بعدد الجثث، ولا بحجم الدمار، هي بالمآلات السياسية التي تبني عليها الحروب أهدافها وحجم الإنجازات المستدامة التي تحققها الدول بصمود وتماسك شعبها مع الثوابت المحقة التي تعزز سيادتها الدولية.