اوراق خاصة

مجتمع المقاومة في لبنان..حين يتحول الدمار رمزًا يجسد روح الانتماء

post-img

حسن نعيم/ كاتب وروائي لبناني

غالبًا ما تركز التغطيات الصحفية والإعلامية على المعارك وحسابات الميدان التي تنجزها المقاومة وتقوم بها في جنوب لبنان، لكن وراء كل نجاح حقيقي يقف "شعب المقاومة" وبئته الحاضنة.

هذه البيئة؛ وإن تمثل دعمًا اجتماعيًا أو شعورًا بالانتماء، أيضًا، هي منظومة متكاملة من التضحية والصبر والإيمان بالقضية. إذ إنها تتحمل أعباء الحياة اليومية، وتتكيف مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لتعيد إنتاج شروط الصمود في كل مرحلة، على الرغم من المحاولات الخارجية للنيل منها.

قوة المقاومة الحقيقية لا تُقاس بالترسانة العسكرية وحدها، يُضاف إليها قدرة مجتمعها على الاستمرار وتحويل المعاناة إلى عنصر قوة. عندما يصبح الصمود نمط حياة، يتحول إلى "قوة ردع" غير مرئية، تُضعف خطط الخصم وتفشل رهاناته على انهيار المجتمع الداخلي.. إذ إن إرادة البقاء تصبح هنا سلاحًا بحد ذاته.

بيئة المقاومة اللبنانية أنموذج فريد

في لبنان؛ حيث تتشابك التحديات السياسية والطائفية والاقتصادية، برزت بيئة المقاومة أنموذجًا فريدً؛ فقد حافظت على تماسكها النسبي على الرغم من الضغوط الكبيرة والاستهداف الإعلامي والنفسي، مستندة إلى شبكة قيم مشتركة ورواية جماعية تمنح التضحيات معنى وهدفًا أكبر. إن قدرة هذه البيئة على الصمود تمنح المقاومة نفسها قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.

لبنان ليس وحيدًا، في هذا النوع من الصمود؛ فالتاريخ الحديث يقدم شواهد عدة توضح كيف يمكن لمجتمع صامد أن يحوّل المعاناة إلى قوة فعلية:

فيتنام: خلال حرب فيتنام، استغلت القوات الفيتنامية المقاومة للأحتلال الأميركي البيئة المحلية والتضاريس الصعبة، واعتمدت على الصمود الشعبي الطويل الأمد ضد قوة عسكرية أعظم. المجتمع، هنا، أصبح عنصرًا حاسمًا في استنزاف الخصم، بعدما حوّل المعاناة اليومية إلى قدرة على الصمود العسكري والاستراتيجي.

أفغانستان: مقاومة الشعب الأفغاني ضد الغزو السوفياتي(روسيا حاليًا)، ولاحقًا ضد التدخل الأمريكي، أظهرت أن إرادة المجتمع المحلي يمكن أن تتحول إلى قوة ضغط مستمرة، تجعل أي قوة أكبر تواجه تحديات مستمرة، وتستنزف مواردها على مدى سنوات.

اليمن: أدى صمود اليمنيين الاجتماعي دورًا حيويًا، حيث تمكنت المجتمعات المحلية من مواجهة الحصار والضغوط الاقتصادية، ما أعطى أطراف الصراع المحلية قدرة على التفاوض والاحتفاظ بمستوى من النفوذ، على الرغم من ضعف الموارد والتقنيات العسكرية مقارنة بالأطراف الخارجية.

الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية: المجتمعات الريفية، هنا، صمدت لعقود أمام النزاعات المسلحة والحروب الأهلية، معتمدة على التضامن الداخلي والاقتصاد المحلي المرن وشبكات الدعم المجتمعية، ما أعطاها القدرة على البقاء على الرغم من انهيار الدولة المركزية.

لبنان اليوم: الصمود ليس مجرد تحمل الألم، هو القدرة على تحويل المحنة الاقتصادية والسياسية إلى صمود يفرض نفسه في حسابات الأعداء الاستراتيجية، ويجعل المجتمع اللبناني المقاوم جزءًا من معادلة الردع.

تجارب فيتنام وأفغانستان واليمن ومناطق الصراعات الأخرى، تؤكد أن الصمود المجتمعي يعني تحمّل المعاناة، واستثمارها في القوة. لبنان، اليوم، يقدم مثالًا حيًا على هذا الدرس: مجتمع يمكنه، من خلال إرادته، التضامن الداخلي مع وعي البيئة الحاضنة، أن يحوّل الظروف الصعبة إلى معادلة قوة فعلية، قادرة على التأثير في مجريات الأحداث على الصعيدين الإقليمي والدولي.

صمود مستدام يحتاج إلى معالجة التحديات الداخلية

لكن الصمود لا يكون من دون ثمن. إذ إن استدامته يتطلب معالجة المشكلات الداخلية: الفقر، البطالة، ضعف الخدمات، والإرهاق المزمن. الصمود الحقيقي لا يعني تحمل الألم فقط، أيضًا، العمل على تقليص أسبابه لضمان قدرة المجتمع على مواجهة التحديات كي لا ينهار.

بيئة المقاومة لم تعد مجرد خلفية للمشهد، لقد أصبحت جزءًا فاعلًا من معادلة الردع. إنها قوة ناعمة صلبة في آن، تثبت أن المجتمعات التي تمتلك إرادة البقاء والقدرة على الصمود تستطيع تحويل التحديات إلى قوة فعلية تُحدث فرقًا كبيرًا في موازين القوى، وتعيد تعريف معنى الانتماء والوفاء للقضية.

نعم؛ نحن صامدون.. وإن تُمحى بيوتنا أو تتشوه معالم أحيائنا، وتُقتلع حجارتها، وتُشطب أسماؤنا من سجلات الوجود؛ لا يتبدّد ما يُهدم؛ فالأثر يتحوّل فينا إلى طاقة مقاومة، والحزنُ يصير بذرة ثباتٍ لا تذبل. يخطئون حين يظنّون أن الهدم هو النهاية؛ فالأرضُ التي احتضنت الحجر تعرف كيف تعيده حيًّا، حيث يبقى فيها متفرّقًا إلى أن تُعيده الأيدي المتشبثةُ بها إلى هيئةٍ أمتن. بيوتنا خبرة بقاءٍ تعلّمنا أن الرجوع ليس خطوة إلى الوراء، هي انبعاث يعيد صياغة الزمن بمعنى مغاير، يجعل الدمار رمزًا للصمود الشامخ عزًا وافتخارًا..

سنغرس في وجدان أبنائنا وأجيالنا القادمة أنَّ استعادةَ الأرض تبدأ من يقينها في القلب؛ قبل أن تُكتب على الأرض.. فالبيتُ إذا استقرَّ في الروح، استحالَ حضورًا لا يُمحى، أبعد من متناول الآلة والنسيان.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد