محمد سكيكي (صحيفة الأخبار)
للوهلة الأولى، يبدو الهيليوم غازًا هامشيًا، ولكنّه ليس كذلك، إنّه مادة استراتيجية تدخل في الطب المتقدم وصناعة الشرائح الإلكترونية والتصنيع الدقيق. وتشير بيانات القطاع الصحي إلى أن المستشفيات كانت أكبر مستخدم عالمي للهيليوم في 2021 بنسبة 32% من السوق العالمية، حيث يحتاج جهاز MRI واحد إلى نحو ألفي ليتر من الهيليوم السائل لإبقاء المغناطيس فائق التوصيل في درجة التشغيل المناسبة.
أما في الصناعة، فتؤكد تقارير تقنية، منها ما نشره موقع «idtechex» أن الهيليوم ضروري في تصنيع أشباه الموصلات، واختبار التسرب، والتبريد في بيئات الإنتاج فائقة النظافة، وهي تطبيقات تزداد أهميتها مع نمو الذكاء الاصطناعي والشرائح عالية الدقة.
وتزداد أهمية هذه المادة لأن إنتاجها العالمي شديد التركّز. فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن قطر ساهمت في عام 2025 بنحو 63 مليون قدم مكعب من الهيليوم، وهي حصة كبيرة من الإمداد العالمي، ما يجعل أي اضطراب في منطقة الخليج مسألة تمسّ الأسواق الدولية بشكل مباشر. كما تبيّن تقارير السوق أن الهيليوم يُستخرج غالبًا كمنتج جانبي من معالجة الغاز الطبيعي، لا كسوق مستقلة واسعة، وهذا ما يجعل سلاسله حساسة جدًا لأي صدمة جيوسياسية أو لوجستية.
هذه الخلفية تفسر لماذا تحوّلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى مصدر قلق عالمي يتجاوز النفط والملاحة. فمع التوترات في الخليج وتعطّل تدفق الغاز من قطر، بدأت الأسواق تشعر بالضغط، لكن الصدمة الكاملة لم تقع بعد لأن الشركات والمستشفيات والصناعات كانت قد بنت مخزونات مسبقة وشحنات مخزنة. غير أن هذه الهوامش ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، وأي إطالة إضافية للحرب قد تسرّع تحوّل القلق إلى أزمة فعلية في الأسعار والتوافر.
في القطاع الطبي، الخطر واضح ومباشر. فالمستشفيات تعتمد على الهيليوم لتشغيل أجهزة MRI، ورغم أن بعض الأجهزة الأكثر تطورًا تحاول تخفيف الاستهلاك أو الاستغناء عنه جزئيًا، إلا أن الأنظمة التقليدية ما زالت تشكل الجزء الأكبر من البنية العالمية. وتوضح التقارير أن بعض أجهزة MRI تحتوي بين 300 و1,800 لتر من الهيليوم بحسب التصميم، فيما تحتاج نماذج تقليدية كثيرة إلى نحو 1,000 إلى 2,000 لتر، ما يعني أن أي اضطراب في التوريد يهدد الصيانة والاستبدال والتشغيل على المدى المتوسط.
أما في الصناعة، فالقلق أكبر، إذ تحتاج شركات أشباه الموصلات للهيليوم عالي النقاء في التبريد، والتفتيش، وبيئات الإنتاج فائقة الدقة، ولا توجد بدائل مطابقة له في كثير من هذه العمليات. ومع صعود الذكاء الاصطناعي وزيادة الاعتماد على الشرائح المتقدمة، تصبح أي إعاقة في توريد الهيليوم عاملًا قد يبطئ الإنتاج، ويرفع الكلفة، ويضغط على سلاسل التوريد التي تغذي الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والصناعات الرقمية.
إذا استمرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لشهر إضافي أو شهرين، فالأرجح أننا سننتقل من مرحلة «التحذير» إلى مرحلة «الأثر الملموس». فالتقارير الأخيرة تتحدث أصلًا عن بدء تأثير النقص في سلاسل التوريد التقنية، مع ارتفاع أسعار الهيليوم وضغط متزايد على المستهلكين الصناعيين. وفي حال طال أمد الاضطراب، قد تواجه المستشفيات تأجيلات في خدمات التصوير، وقد تضطر بعض المصانع إلى تقليص الإنتاج أو إعادة جدولة العقود، فيما يصبح توفير الهيليوم عالي النقاء أكثر كلفة وأقل استقرارًا.
والأخطر أن الأزمة قد تتجاوز الهيليوم نفسه إلى ما يمثله من إشارة مبكرة على هشاشة الاقتصاد العالمي. فإذا كان غاز واحد بهذا الحجم من الأهمية يمكن أن يتأثر سريعًا بالحرب والمضائق البحرية، فإن ذلك يكشف أن سلاسل الإمداد الطبية والتكنولوجية في العالم أكثر ترابطًا وأقل أمانًا مما يبدو. بهذا المعنى، لم تعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران شأنًا إقليميًا فحسب، بل صارت عاملًا قادرًا على ضرب غرف العمليات، ومصانع الشرائح، ومسارات الذكاء الاصطناعي، وأسواق الطاقة في آنٍ واحد.
إن ما يمنع الانفجار الكامل اليوم هو المخزون، لا الاستقرار. وفي النهاية، تكشف أزمة الهيليوم أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار المباشر، بل أيضًا بما تتركه من اختلالات خفية في سلاسل الإمداد العالمية، وفي المستشفيات، وفي المصانع التي تُشغّل عالم اليوم. لذلك، فإن الهيليوم اليوم ليس مجرد مادة صناعية؛ إنه مرآة لمدى هشاشة النظام العالمي، ولثمن الحروب حين تُشعلها القوى الكبرى ثم تترك العالم كله يدفع الفاتورة.