اوراق خاصة

صداقة العمر في يومٍ ونصف في رحاب الجنوب

post-img

‎‎فادي الحاج حسن/ كاتب لبناني

يومٌ ماطر، لكن أزهاره كأيام الربيع الزاهر؛ وجوهٌ كملائكةٍ تزهُو بحضورٍ لا يُنسى. يومٌ يبدأ بلقاءاتٍ تُشبه الوداع، ولحظاتٍ لا أستطيع التمييز فيها: أهي وصالٌ أم فراق؟ كأن الزمن نفسه تردّد بين أن يحتفظ بنا أو يتركنا نمرّ عابرين في ذاكرته.

‎‎بدأ المسير في طرقاتٍ اعتدتُها، لكن كلّ شيءٍ فيها كان جديدًا كأول مرورٍ أو آخره؛ الطرقات والأبنية والسيارات والمحال والبحر والسماء… كلها حاضرة، لكنها تمرّ مبتعدة، كأنني أراها من خلف زجاج حلمٍ شفاف. كان أدهم، السائق روحًا جميلة وحديثه يخرج من القلب، ينساب كجدولٍ صافٍ بين صخور الذاكرة؛ يروي ذكرياتٍ كثيرة، كأن أصحابها على سررٍ متقابلين، يتبادلون الضحكات والحنين.

‎‎بدأت ملامح الأرض تتغير، كأننا على تخوم الجِنان؛ القلب تتسارع دقاته… شوقًا؟ خوفًا؟ قلقًا؟ أم لهفةً لآمالٍ وعهود؟ لا أدري، لكن شيئًا في داخلي كان ينهض كطفلٍ يرى العالم لأول مرة، ويخاف أن يفقده في اللحظة نفسها.

فجأة، وللحظةٍ خاطفة، ساد صمتٌ غريب، وطمأنينةٌ مهيبة، وعبقٌ ملأ أركان كل شيء؛ كأن بابًا من أبواب الجنة قد انفتح في صدري. كلّ شيءٍ أصبح جميلًا، هادئًا، ساكنًا… العصافير غريبة، ليست كما اعتدتُها، والأصوات..  الأصوات كلها تحولت إلى مزامير داود، إن استطعتُ وصفها. كان الأخضر أكثر اخضرارًا، والتراب أكثر حياةً، ورائحته كأنها قادمة من ذاكرة الأرض الأولى، حتى النسمات بدت من عالمٍ آخر، تلامس الروح قبل الجسد.

‎‎فجأة قال أدهم: "إنها رائحة الجنوب"..!

‎‎لا أعلم لماذا خرجت دمعةٌ لم أستطع حبسها؛ لم أعتد هذا الكمّ من السرور، ولا هذا الثقل الخفيف الذي يهبط على القلب كنعمةٍ مفاجئة.

‎‎لم يطل المسير؛ فأولُ الملائكة كان في الانتظار. تحياتٌ وعناق، كأن القلوب تتلهف للقاءٍ منذ ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، لطوفانٍ من العشق الإلهي. لحظات، وبدأت وجوهٌ كالأقمار تزهو وتشرق. أحدهم أخذنا إلى مكانٍ آخر، أقرب… أعلى… وأكثر هيبة؛ طريقٌ يصعد بنا كأننا نرتقي في طبقات الروح.

‎‎حارسان عند المدخل، وابتسامةٌ وترحيبٌ حارّان يُخجلان القلب من شدّة الصفاء. وآخرُ أقبل إلينا بفرحٍ وطاقةٍ غريبة، كأنه يستعجل اللحظات، يخاف أن تسبقه الأيام. أخذ يجول بنا في الروابي والتلال، يشير بيده وكأنه يرسم تاريخًا حيًّا: "هنا صمدوا… هنا هبّوا… هنا انتظروا… وهنا ما يزال الانتظار إلى آخر الانتظار… والوعد الموعود."

‎‎كان عليّ… نسمة الصباح، زينة الأفراح، رفيق العمر المفارق في يومٍ ونصف. أخوّةٌ من أول نظرة، كأن الأرواح تعارفت قبل الأجساد بزمانٍ طويل. جلسنا نتبادل أحاديث عن الدنيا والآخرة، عن الآمال والأماني، عن الشوق إلى زهرةٍ وعصفورين؛ كأنهما يحضران في المكان كلما ذُكرا، فتزداد الأرض بهجةً والهواء رقّة.

‎‎كان حديثه دافئًا، يشبه يدًا تربت على قلبٍ متعب. عينيه تحملان سكونًا عميقًا كبحرٍ يعرف أسراره ولا يفشيها. قال لي مرة: "نحن هنا لا نعدّ الأيام… نحن نعدّ المعاني." فشعرت أن كلماته لم تكن تُقال، بل تُغرس في داخلي.

‎‎تناولنا الطعام معًا، وكان للطعام طعمُ البركة، كأنه ليس مجرد خبزٍ وماء، بل حكايةُ صبرٍ ورضا. صلّينا، ودعونا، وقرأنا القرآن، وكانت الكلمات ترتفع في السماء كطيورٍ بيضاء، لا يحدّها سقف ولا يثقلها خوف.

‎‎كانت العصافير تغرّد، تغريدًا ينساب كأنغامٍ من نور، يكسره أحيانًا صوتُ شيطانٍ يختبئ في الظلام، ينتظر غدرًا. لكن عليّ كان مطمئنًا، متوكّلًا، محتسبًا؛ لا تكسره غارة، ولا يهزّه فعلُ شيطانٍ مريد. كان يمشي بثبات، كأن الأرض تعرفه وتفتح له الطريق، وكأن السماء تراقبه بعين الرضا.

‎‎في تلك اللحظات، شعرت أنني لا أعيش يومًا ونصفًا، بل عمرًا كاملًا مختصرًا في زمنٍ ضيّق. كلّ شيءٍ كان مكثفًا: المشاعر، اللقاءات، الكلمات، وحتى الصمت كان يحمل معنى.

‎‎في الليل، حين سكن كلّ شيء، جلسنا نتأمل السماء. كانت النجوم أقرب مما تبدو، كأنها تسمعنا. قال علي بهدوء: "الإنسان لا يُقاس بطول حياته، بل بعمق أثره." نظرت إليه، وشعرت أنني أمام روحٍ اختصرت المسافات، وعبرت الدنيا من دون أن تتعلق بها.

‎‎مرّ الوقت سريعًا، كأنه يخاف أن يُثقل علينا. جاء الفراق فجأة من دون مقدماتٍ تليق به.. من دون عناقٌ أخير، من دون نظراتٌ طويلة، ومن غير كلماتٌ، إنه الشيطان الغادر ظن أنّ الملائكة تخافه؛ لكنّها بكل هدوء رفعت عليّ بكل وقار إلى نور أزال الظلام كله، وسارت به إلى الجنان.

‎‎عدتُ في الطريق نفسه، لكن كلّ شيءٍ تغيّر. لم تعد الطرقات عادية، ولا الأبنية صامتة، ولا البحر بعيدًا. كان كلّ شيءٍ يحمل أثر ذلك اللقاء، كأن المكان نفسه قد تشرّب الذكرى.. حتى الجراح كانت ذكرا تحيا بكل لحظة في يوم ونصف.

‎‎أدركت حينها أن صداقة العمر لا تُقاس بالسنين، بل بلحظة صدقٍ واحدة، بلقاءٍ نقيّ، بيومٍ ونصفٍ يُشبه الأبد.

منذ تلك الملحمة، كلما مرّت بي نسمةٌ غريبة، أو سمعتُ تغريدًا مختلفًا، أو شعرتُ بطمأنينةٍ لا أعرف سببها… أبتسم وأقول في سرّي: لعلّها رائحة الجنوب… أو لعلها بقايا ذلك اللقاء الذي لم ينتهِ، والذي سكن في القلب، ليبقى طول العمر ولن ينتهي في يوم ونصف.

‎‎إلى الشهيد السعيد والأخ العزيز علي الخيام

أعذر تقصير كلماتي.. فالكلمات كلها لا توفيك عطياك

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد