اوراق خاصة

حين تُصبح المقاومة ذاكرة .. من الحدث إلى الهوية

post-img

ليلى شمس الدين/ باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

حين يكتب فرانتز فانون عن المقاومة، فهو يصف ولادة لا معركة. هي ولادة وطنٍ وولادة إنسانٍ كان مُصادَر الصوت ومُجزّأ الوعي ومُربك الهوية. في كتابه "معذّبو الأرض"، تتحوّل تجربة المقاومة من ردّ فعل على القمع إلى فعل إعادة تركيب للذات. من هنا؛ تكتسب المقاومة -بحسب فانون- أهميتها القصوى كونها اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان لغته وكرامته وقدرته على تعريف نفسه خارج قوالب الهيمنة. هي كسر لسلطة سياسية، وحتى إعادة تأسيس للإنسان ذاتًا فاعلة في التاريخ. لذلك، حين يخوض الفرد تجربة المقاومة، لا يعود كما كان.

حين يتحدّث نيلسون مانديلا عن المقاومة، فهو لا يروي بطولةً لحظةً؛ هو يقدّم درسًا في الزمن. وفي كتابه "مسيرة طويلة نحو الحرّية"، تظهر المقاومة فعلًا صداميًا وقدرة نادرة على الاستمرار من دون أن يتآكل المعنى. إذ إن المقاومة، كما تتجلّى في مسيرة مانديلا، ليست مجرّد رفضٍ للظلم، هو حفاظٌ عنيد على إنسانيةٍ مهدَّدة وعلى فكرة العدالة بوصفها أفقًا لا يُختزل في لحظة انتصار. إنّها انتقال من ردّ الفعل إلى الفعل التاريخي، حين يصبح الصبر شكلًا من أشكال الفعل والكرامة ممارسة يومية داخل أقسى شروط القهر.

إذا ما غصنا في كتابات فاتسلاف هافيل عن المقاومة، نجده لا يدعو إلى إسقاط نظامٍ بقدر ما يدعو إلى كسر الكذبة التي يقوم عليها. في كتابه "قوّة الضعفاء"، تتحوّل المقاومة إلى فعل يومي بسيط لكنّه عميق، وتتشكّل من خلال إعادة التموضع داخل الحياة اليومية، لتغدو هذه التجربة مسارًا تحرّريًا يبدأ من الذات لينعكس على المجتمع.

لو جمعنا إسهامات فرانتز فانون وباولو فريري وهنري ديفيد ثورو ونيلسون مانديلا وفاتسلاف هافيل وإدوارد سعيد وألبير كامو .. ضمن إطار تحليلي واحد، لوجدنا، إنّ مفهوم المقاومة يتكشّف بوصفه بنية متعدّدة المستويات تتجاوز الاختزال السياسي نحو أفق أشمل.

المقاومة: حين تتحوّل الفكرة إلى حياة

ليست المقاومة كلمة، وليست شعارًا يُرفع في لحظة غضب ثم يُطوى مع انطفاء الحدث. المقاومة، في معناها الأعمق، ليست حتى فعلًا سياسيًا فحسب، هي وجود قائم. هي ذلك الإحساس الداخلي الذي يجعل الإنسان يرفض أن يُختزل، وأن يُمحى، أو أن يُعاد تعريفه خارج إرادته. لذلك، فإنّ أبلغ ما في المقاومة ليس سلاحها، بل معناها… وليس صوتها، بل حضورها الصامت في الوجدان.

حين نسأل: ما هي المقاومة؟ غالبًا ما نتجه مباشرة إلى صور المواجهة وإلى الجبهات وإلى التاريخ العسكري. لكن هذا الاختزال يُفقدنا جوهرها. إذ إن المقاومة، قبل أن تكون بندقية، كانت فكرة. وقبل أن تكون فكرة، كانت شعورًا بالظلم. ذلك الشعور الأوّلي الذي يتشكّل حين يدرك الإنسان أنّ هناك اختلالًا في ميزان العالم، وأنّ عليه، بطريقة ما، أن يُعيد التوازن. من هذا المنطلق، لا يمكن فهم المقاومة إلا بوصفها استجابة إنسانية عميقة لواقع غير عادل. تاليًا؛ هي ليست خيارًا دائمًا، بل في كثير من الأحيان، تصبح ضرورة. وهنا يكمن الفرق الجوهري، فحين تُفرض على الإنسان ظروف تُنكر عليه حقه في الحياة الكريمة، تتحوّل المقاومة من خيار إلى قدر.

قراءة في تجارب المقاومة… ذاكرة لا تُهزم

لا تُعرّف المقاومة، في الوجدان الشعبي، بالمصطلحات، هي كامنة في القصص. هي حكايات تُروى، وأسماء تُحفظ، وأمكنة تُصبح رموزًا، وغيرها من التفاصيل التي تُشكّل الفرد والمجتمع .. في هذا المستوى، تتحوّل المقاومة إلى لغة يومية وإلى أغنية وإلى اسم شارع وحكاية جدّة.. تتحوّل من حدث إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى هويّة، وتغدو جزءًا من الحاضر المستمر. لنستكشف هذه التجربة، سنبحر في قراءة قرنٍ كامل من تجارب المقاومة، بدءًا من المقاومة الفرنسية إلى نضالات فيتنام بقيادة هو تشي منه، مرورًا بإيرلندا، وكوبا وبولندا، وناميبيا.. من هذا الإطار التحليلي المقارن، نجد أنّها ليست مجرّد تنوّع في السياقات، هي وحدة في البنية العميقة للمقاومة، بوصفها فعلًا مركّبًا يتجاوز المواجهة المباشرة مع الخارج، ليشمل صراعًا متوازيًا مع تحدّيات الداخل. هنا، فإنّ السؤال لا يعود: لماذا تقاوم الشعوب؟ بل: كيف تستمرّ على الرغم من كل ما يُراد لها أن تنتهي؟

ما تكشفه هذه التجارب أن الصراع مع قوّة خارجية هو معركة أعمق مع الداخل: مع الخوف والانقسام ومحاولات نزع الشرعية. في فرنسا، كان التحدّي للاحتلال النازي بسيطًا أمام مواجهة نظام فيشي الذي حاول تطبيع الهزيمة، فشكّلت المقاومة فعلًا أخلاقيًا إضافة إلى بعدها العسكري. في فيتنام، انتصرت حركة "الفيت مين"؛ لأنّها الأقدر على تحويل الألم الطويل إلى سردية وطنية جامعة على الرغم من الانقسامات والخسائر البشرية الهائلة. أمّا في إيرلندا، فقد أثبتت ثورة عيد الفصح، كيف يمكن للهزيمة العسكرية أن تتحوّل إلى انتصار رمزي، يُعيد إنتاج المقاومة على مستوى أعمق.  بذلك بيّنت أنّ الرصاص قد يُسقط ثورة، لكنّه في الوقت عينه، قد يُطلق ذاكرة لا تُهزم.

في كوبا، أعادت الثورة تعريف التحرير مسارًا اجتماعيًا شاملًا على الرغم من الحصار والعزلة، أمّا في أوروبا الشرقية، فقد أثبتت حركة تضامن أنّ الهدوء النقابي قد يهزّ أنظمة صلبة عبر التراكم، في حين جسّدت منظمة شعب جنوب غرب أفريقيا في ناميبيا نموذج مقاومة طويلة النفس التي تُحوّل الزمن ذاته إلى أداة تحرّر .

كلما حاصروها… عادت أقوى

في هذا المشهد، لا تبدو التجربة اللبنانية استثناءً، هي امتداد نوعي لهذه البنية العالمية للمقاومة، حين لا تُختزل المقاومة في معركةٍ تنتهي، إنما تُقرأ بصفتها مسارًا يُعيد تعريف المجتمع لنفسه كلما تعرّض للاختبار. كما لا تُفهم فقط في سياق مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أيضًا في إطار صراع معقّد مع تحدّيات داخلية وسياسية واجتماعية متشظّية، حاولت أحيانًا احتواءها أو التشكيك بها. إذ منذ اجتياح العام 1982 وصولًا إلى تحرير العام 2000، لم تكن المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي صراعًا عسكريًا تقليديًا أدى إلى عملية تراكم بطيء أعادت صياغة العلاقة بين الأرض والإنسان وبين الخوف والكرامة. في هذا الإطار، نجحت المقاومة في إعادة تشكيل معادلة القوّة والسيادة، عبر العمل العسكري وبناء قاعدة اجتماعية وثقافية رمزية متجذّرة في الحياة اليومية، فأضحت جزءًا من نسيج المجتمع اليومي. غير أنّ الأهمية الأعمق تكمن في قدرتها على الاستمرار تحت ضغط مزدوج، إن من خلال عدوان خارجي متكرّر وانقسامات داخلية حادّة، سعت إلى محاصرتها أو إعادة تعريفها.

لقد شكّل عدوان تموز 2006 لحظة اختبار قصوى لحضور وفعالية المقاومة، حين أظهرت التجربة أنّ القدرة على امتصاص الصدمات الكبرى وإعادة إنتاج الذات تحت القصف والدمار هي في حدّ ذاتها شكل من أشكال الانتصار الرمزي والاستراتيجي الذي تمثّل في قدرة المقاومة على الصمود وعلى تحويل الألم إلى سردية جماعية تُعزّز التماسك بدل أن تُضعفه. في هذا السياق، تجاوزت المقاومة معناها لتقليدي لتصبح فعلًا مركّبًا، إذ أصبحت أكثر من أداة تحرير، لأنّها تشكّلت ضمن إطار يعيد بناء المعنى، وتعريف العلاقة بين المجتمع والسيادة، ويحوّل الذاكرة الجماعية بما تحمله من تضحيات، إلى مصدر استمرارية.

بذلك، تتجلّى قوّة المقاومة الحقيقية، في هذا التداخل بين الدم والذاكرة بصفته بنية حيّة تستمر؛ حيث لا يُقاس الفعل المقاوم بنتيجته الآنية بمقدار قدرته على ترسيخ إرادة جماعية ترفض الإخضاع، وتُبقي التحرير إمكانًا مفتوحًا على الرغم من التحدّيات كلها.

وعليه، تكشف هذه التجارب مجتمعة أنّ المقاومة لا تُختزل في تحقيق نتائج فورية، ولا تُقاس بما تُسقطه، بل هي في ما تبنيه من ذاكرة لا تُمحى، ومعنًى لا يُكسر، وإنسانًا يرفض أن يُعاد تعريفه من جديد، ما يجعلها، في جوهرها، فعل بقاء بقدر ما هي فعل تحرّر، وبنية تُعيد تشكيل المجتمع ذاته، وتمنحه القدرة كي يبقى فاعلًا في التاريخ، على الرغم من كل ما تواجهه من انقسامات وقمع وتحدّيات وصدامات ومواجهات ومحاولات تفكيك تعمل على تشويه صورتها وصولاً إلى تخوينها.

هل يمكن تفكيك المقاومة .. أو محوها

قد تصدر قرارات، وقوانين، ومراسيم… تُحاول إعادة تعريف المقاومة، أو حتى شطبها من الخطاب العام. لكن السؤال الحقيقي : هل يمكن محو المعنى؟ قبل أن يكون : هل تمحى الكلمة؟ التاريخ يُجيب بوضوح: لا.. لا يمكن ..  ولكن، لماذا؟ لأنّ المقاومة، حين تتجذّر، لا تعود مرتبطة بمؤسّسة أو تنظيم أو حتى جيل. إنها تغدو حالًا ثقافية، وتتغلغل لتصبح جزءًا من بنية المجتمع العميقة. وهنا، تصبح محاولات محوها أشبه بمحاولة محو الذاكرة. كما يشهد التاريخ أنّ المقاومة تنشأ في البلدان المحتلّة، حين يختلّ التوازن بين الإنسان وحقّه في تقرير مصيره، وحين تتحوّل الحياة اليومية إلى فضاء مُسيطَر عليه، يُفرَض فيه المعنى من الخارج. في هذه اللحظة، لا تعود المقاومة خيارًا سياسيًا، إنما استجابة وجودية لرفض الإلغاء والتهميش. إذ مع كل تقييد للحريّة، وكل مصادرة للهويّة، يتشكّل وعي جمعي يرى في المقاومة وسيلة لاستعادة الكرامة قبل الأرض، لأنّ حضورها لا ينبع فقط من الظلم المباشر، بل من تراكم الإحساس بعدم العدالة عبر الزمن. لذلك، تولد المقاومة حيث يُمنَع الصوت، وتترسّخ حيث يُصادَر المعنى، لتصبح فعلًا يعيد للإنسان موقعه فاعلًا في التاريخ، لا موضوعًا له. لهذا، لا يمكن اختزال المقاومة في بندقية أو تظاهرة أو قرار سياسي. المقاومة في جوهرها: وعيٌ يتشكّل، وذاكرةٌ تتراكم، وحياةٌ تُعاد صياغتها. وحين تتجذّر، لا تعود خيارًا… تصبح قدرًا.

من هذا المنطلق، تصبح المقاومة ذاكرة حيّة، لا يمكن محوها بقرار، ولا يمكن تفكيكها بمرسوم.. لأنّها لم تعد في النصوص، لقد تغلغلت في الذاكرة والنفوس.

مراجع ومصادر

  • Encyclopaedia Britannica. (2026a). Algeria: The Algerian War of Independence.
  • Encyclopaedia Britannica. (2026b). Indian Independence Movement.
  • Pérez, L. A. (2015). Cuba: Between reform and revolution. Oxford University Press.
  • Melber, H. (2014). Understanding Namibia: The trials of independence. Hurst.
  • Logevall, F. (2012). Embers of war: The fall of an empire and the making of America’s Vietnam. Random House.
  • Harel, A., & Issacharoff, A. (2008). 34 days: Israel, Hezbollah, and the war in Lebanon. Palgrave Macmillan.
  • Norton, A. R. (2007). Hezbollah: A short history. Princeton University Press.
  • Harb, M., & Leenders, R. (2005). Know thy enemy: Hizbullah, terrorism’ and the politics of perception.
  • Ost, D. (2005). The defeat of Solidarity. Cornell University Press.
  • Townshend, C. (2005). Easter 1916: The Irish rebellion. Penguin.
  • Saad-Ghorayeb, A. (2002). Hizbu’llah: Politics and religion. Pluto Press.
  • Scott, J. C. (1990). Domination and the arts of resistance. Yale University Press.
  • Paxton, R. O. (1972). Vichy France: Old guard and new order, 1940–1944. Knopf.
  • Arendt, H. (1970). On violence. Harcourt.
  • Nelson Mandela Foundation. (n.d.-b). Trials and prisons chronology. Nelson Mandela Foundation.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد