خديجة رياض حَكيم (صحيفة الجمهورية)
هل رأيتم يوماً كيف تمشي الحرب على أقدام الناس المرحَّلين قسراً من بيوتهم؟ لا في هدير الطائرات وحده، ولا في دويّ القذائف، بل في ارتجاف الخطوات التي لا تعرف إلى أين تمضي. هل عرفتم زمناً للإخلاء... لا يكفي حتى لبكاءٍ مكتومٍ لا يجد وقتاً ليصبح صراخاً؟ هل أدركتم معنى «نازح»؟ ليس كما يُختزل في التقارير، ولا كما يُصاغ في بيانات الأمم، بل كما يُعاش في جسدٍ وذاكرة: كشجرةٍ اقتُلعت من جذورها، وقُذفت في الهواء، لا أرض تنتظرها، ولا سماء تُعيد إليها أحلامها. إن لم تعيشوا ذلك، فأنتم محظوظون. أمّا نحن، فقد عشناه. نحن في لبنان، نحن الجنوبيِّين، نحن أهل الضاحية والبقاع... نحن الذين لم تمرّ الحرب من حولنا، بل مرّت علينا.
هناك، يبدأ كل شيء بإنذارٍ يُعمَّم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو برسالة مقتضبة على الهاتف من مصدرٍ مجهول، أو منشور يُلقى من السماء. قرار يُعلن ويُعمَّم من قوات العدو الإسرائيلي، ببرودةٍ تجعل حياة الناس بنداً إدارياً، وتجعل القرى كأنّها سطورٌ قابلة للمحو. الخبر هنا لا يسبق الصاروخ أو القذيفة رحمةً، بل يواكبهما تمهيداً للفقدان. وعلى مرأى الجميع، يُبثّ المشهد على الشاشات؛ تُعرض الحياة وهي تُقتلع من جذورها، كأنّها صورة بعيدة لا تمسّ أحداً، وكأنّ العالم جُمع ليتفرّج: ماذا سيحلّ بشعبٍ صدر القرار باقتلاعه؟ لكن هذا «الإنذار» ليس وعداً بالحماية، بل بداية الفقد؛ يمنحك مهلةً لا لتنجو، بل لتودّع: تودّع بيتك، أرضك، جدراناً شهدت طفولتك، وأبواباً حفظت أسرارك، وتودّع ببطءٍ موجع إيمانك بأنّ هناك قانوناً يحميك، أو عدالةً ستصل يوماً.
تخرج العائلات قسراً كما تخرج الروح من جسدها: مبتورة، مرتبكة، تتلفّت كأنّها تبحث عن ذاتها التي سقطت خلفها. يسيرون لا لأنّ الطريق واضح، بل لأنّ القرار صدر: الإخلاء. هنا، لا تعود ممارسات العدو مجرّد أفعال حرب، بل تتحوّل إلى وحشيةٍ تتجاوزها إلى ما هو أعمق: تفريغ المكان من أهله، وتجريد الإنسان من ثباته، وتحويل وجوده إلى حالة موقتة، معلّقة بين الرحيل والعدم، قابلة للمحو... كأنّها لم تكن يوماً.
ليس الإخلاء هنا إجراءً، بل اقتلاع. ليس انتقالاً، بل نزعٌ للإنسان من جذوره ومن موطن أمانه. ثم تأتي اللحظة الأشد قسوة، حين يلتفت هؤلاء إلى الوراء، فلا يرَون بيوتاً تنتظرهم، بل فراغاً يتّسع كجرحٍ لا يُغلق. جدران كانت تحميهم أصبحت غباراً، وغرف كانت تحفظ أسرارهم أصبحت صمتاً، والبيت لم يعُد بيتاً، بل ذاكرةً بلا عنوان.
ومع ذلك، يخرجون حاملين مفاتيح بيوتهم، لأنّ المفتاح هنا ليس معدناً، بل شهادة حيّة أنّ هنا كان موطن حياتهم، وأنّ هذا الموطن، مهما هُدِم، لا يسقط من الحق ولا يُمحى من الذاكرة. يحملونه كما يُحمل آخر ما تبقّى من اليقين، وكأنّهم يتمسّكون به كي لا يسقط المكان من داخلهم قبل أن يسقط تحت الركام. وفي مشهدٍ يكاد يكون أبلغ من كل الكلمات، وبعد كل غارة، يبقى باب الدار معلّقاً فوق الركام، كأنّه روحهم التي بقِيَت هناك، مرابطة، تنتظر عودة أهلها، وتنتظر أن يُدار المفتاح في قفلٍ لم يعُد موجوداً.
وفي هذه المشهدية، لا تتجلّى فقط مأساة إنسانية، بل ينكشف مفصلٌ قانوني دولي بالغ الخطورة. فالقانون الدولي الإنساني الذي وُلد من رماد الحروب، نصّ بوضوح في اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها اللاحقة على حظر الترحيل القسري للمدنيّين، وعلى منع التدمير الواسع لممتلكاتهم. وهذه القواعد ليست مبادئ أخلاقية تُستأنس بها، ولا توصيات نظرية تُتلى، بل التزامات قانونية مُلزمة لجميع الدول، بما فيها العدو الإسرائيلي بوصفه طرفاً موقّعاً على اتفاقيات جنيف وملتزمة بأحكامها.
وقد كرّس هذا القانون مبدأً جوهرياً لا يقبل التأويل، مفاده أنّه لا يجوز الأمر بترحيل السكان المدنيّين لأسباب تتصل بالنزاع، ولا إرغامهم على النزوح من أراضيهم، ولا تدمير ممتلكاتهم أو اغتصابها بذريعة العمليات العسكرية. بل إنّ النصوص ذهبت أبعد من ذلك، فاعتبرت أنّ أي نقلٍ قسري للسكان أو تدميرٍ واسع النطاق للممتلكات دون ضرورة عسكرية قاهرة يُشكّل خرقاً جسيماً للقانون، لا يُبرَّر بذرائع الحرب ولا يُخفَّف بوقائعها. وكل مخالفة لهذه الأحكام، خصوصاً إذا كانت واسعة النطاق أو منهجية، لا تُعدّ مجرّد انتهاك عابر، بل تدخل في صلب ما عرّفته اتفاقيات جنيف نفسها بـ«الانتهاكات الجسيمة»، وهي الأفعال التي يرتقي توصيفها القانوني إلى جرائم حرب تستوجب الملاحقة والمساءلة الدولية. وعند هذه النقطة، لا يعود الأمر مسألة تقدير سياسي أو اختلاف في روايات الحرب وغاياتها، بل يتحوّل إلى حقيقة قانونية دامغة: قانونٌ واضح يُنتهك أمام أعين العالم، وعدالةٌ يُفترض أن تقوم... لكنّها تتردّد، أو تصمت.
وما نشهده اليوم ليس بداية المأساة... بل لحظة سقوطها في الاعتياد. فما وُلد في قطاع غزة من مشاهد الدمار التي كانت يوماً تهزّ الضمير، لم يبقَ هناك، بل عَبَر إلى لبنان كظلٍّ ثقيل، لا ككارثةٍ جديدة بل كجرحٍ صار مألوفاً. تتكرّر الصور ذاتها، حتى كأنّها فقدت أسماءها: بيوتٌ بأكملها تُمحى، طرقاتٌ وجسورٌ تُقتلع من الذاكرة، وأقدامٌ ترحّل قسراً بلا وجهة... لكنّ الفاجعة ليست في هذا الخراب وحده، بل في أنّ الخراب لم يعُد يُفزَع كما ينبغي، وكأنّ الألم حين يتكرّر يُسلب حقّه في أن يُرى، أو يُبكى عليه، وكأنّ المأساة، حين تطول، تتحوّل من جرحٍ مفتوح... إلى مشهدٍ عادي.
هنا، لا يُقتل الإنسان مرّة واحدة، بل يُقتل مرّتَين: مرّة حين يُقتلع من أرضه، ومرّة حين يُعتاد اقتلاعه. في المرّة الأولى يُسلب بيته، وفي الثانية يُسلب معناه. يتحوّل من إنسانٍ له اسم وذاكرة وصوت، إلى رقمٍ بارد في تقرير، أو صورةٍ عابرة تمرّ على شاشة لا تتوقّف عنده. وهنا، في هذه المسافة بين الحدث ونسيانه، تُرتكب الجريمة الأعمق: جريمة محو الإنسان من ذاكرة العالم.
وحين يفقد الدمار قدرته على الصدمة، يبدأ شيءٌ أكبر بالانهيار... الضمير العالمي ذاته. ينهار بصمت، لا بضجيج، بين عجزٍ يُعلن نفسه وتواطؤٍ يختبئ خلفه، حتى لا يبقى من العدالة إلا اسمها، معلقًا كرايةٍ ممزّقة فوق الركام. عالمٌ يرى. ولا يوقف، يسمع. ولا يتحرّك، يوثّق. ولا يُحاسب، كأنّ الحقيقة تُكتب فقط لتُحفظ، لا لتُغيّر شيئاً.
وفي هذا الانهيار البطيء للمعنى، لا يعود السؤال موجّهاً إلى البعيد فقط، بل إلى من بقي هنا، على هذه الأرض، ممَّن لا يزال يرى ويشهد. إلى الصليب الأحمر اللبناني، إلى ممثلي قوّة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان، إلى كل مَن لم يغادر موقع الشهادة: إن لم تستطيعوا أن توقفوا ما يحدث، فلا تتركوا الحقيقة تُدفن معه. وثّقوا، لا كإجراء، بل كصرخة. اكتبوا، لا كواجب، بل كنجدة. سمّوا الأشياء بأسمائها، وأدينوا ما يرتكبه العدو الإسرائيلي من وحشية دون مواربة، لأنّ الصمت ليس حياداً، بل فراغٌ يبتلع العدالة. لأنّ التوثيق، حين يعجز العالم عن الفعل، يصبح آخر خيطٍ يربط الضحية بالحقيقة، وآخر ما يمنع الجريمة من أن تتحوّل إلى عدم.