اوراق مختارة

هذه قطب "المصنع" المخفيّة

post-img

ميشال نصر (صحيفة الديار)

فيما كانت "اسرائيل" تصعّد بشكل غير مسبوق مستهدفة العاصمة بيروت، ومناطق حيوية فيها، موقعة مئات الضحايا، وموجهة رسالة قاسية للسلطة اللبنانية تحديدا، كانت مساعي القاهرة تثمر في التوصل الى "اتفاق مشروط" غير مباشر بين بيروت و"تل ابيب"، لاعادة فتح معبر المصنع الحيوي.

مصادر مواكبة للاتصالات التي جرت، اكدت ان السلطة باشرت منذ اللحظة الاولى للتهديد الاسرائيلي، اتصالاتها على خطين: الاول سياسي قاده الرئيسان عون وسلام، والثاني امني تولاه مدير عام الامن العام مع كل من القاهرة وبغداد، بوصفها معنية بشكل اساسي، ومستفيدة من المعبر التي يشكل لها رئة تجارية حيوية على البحر المتوسط.

واشارت المصادر الى ان الهم الاول للمفاوضين تمثل في تجميد عملية القصف ايا كان الثمن، وهو ما حصل بالفعل مقابل تعهد لبناني بابقائه مقفلا، قبل الانتقال الى المرحلة الثانية، والتي هدفت الى اعادة العمل الى طبيعته، من ضمن سلة اجراءات تعهدت الدولة اللبنانية بتطبيقها.

وتابعت المصادر بان الاتصالات المكثفة نجحت في ضمان عودة المعبر الى العمل بشكل طبيعي خلال الساعات القادمة، بعد زوال الخطر الاسرائيلي، واستكمال انتشار عناصر الجمارك والامن العام اللبناني في مراكزهم التي اخلوها، وبعد تركيب الاجهزة التي فككوها وربطها بالشبكة، نتيجة نجاح جهود القاهرة التي قادها المدير العام للامن العام اللواء حسن شقير، ومدير المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، الذي تعهد لـ "الاسرائيلي" بسلسلة اجراءات ستتخذها السلطات اللبنانية، لتعزيز الاجراءات الامنية على المعبر وضبطه.

واذا كان الهدف المعلن من الاستهدافات المتكررة للمعابر الحدودية، هو منع تهريب السلاح وقطع خطوط الامداد، فان المصادر المواكبة اعتبرت ان ما جرى يتجاوز هذا العنوان بكثير، ليصب في اطار "استراتيجية اسرائيلية" اوسع تقوم على تحقيق هدفين اساسيين مترابطين:

- الاول: ضرب موقع لبنان التجاري واللوجستي، وفرض حصار بري تدريجي على لبنان، يترافق مع تضييق اقتصادي ومالي متصاعد، خصوصا ان معبر المصنع هو اليوم المنفذ البري الوحيد الفعلي للبنان نحو العمق العربي، سواء باتجاه سوريا والعراق ودول الخليج، لجهة تصدير المنتجات الزراعية والصناعية التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذا الخط، والذي يتسبب تعطيله، او حتى ابقائه تحت التهديد الدائم، كارثة للاقتصاد اللبناني، الذي عاش ما يشبهها خلال الحرب السورية، والتي انعكست مباشرة على كلفة النقل، وقدرة المصدرين اللبنانيين على الالتزام بعقودهم، ما تسبب بخسارة اسواق خارجية لطالما شكلت متنفسا اساسيا للاقتصاد اللبناني، فضلا عما يشكله المصنع من شريان لحركة "الترانزيت"، سواء للبضائع الآتية من مرفأ بيروت باتجاه سوريا والمنطقة، او للبضائع العابرة نحو اوروبا.

- الثاني: توجيه رسالة ضغط و"انتقام" الى دمشق، على خلفية ما تعتبره "تل ابيب" عدم قيام السلطات السورية بممارسة ضغوط كافية على الداخل اللبناني، او عدم التجاوب مع "الخطط الاسرائيلية" فيما خص حربها في لبنان، وهو ما كشفته وسائل الاعلام الاسرائيلية عقب اجتماع "الكابينت" نهاية الاسبوع الماضي، والذي اوحى بدور سوري مباشر او غير مباشر لاحكام "الكماشة" على الداخل اللبناني، من خلال فصل المناطق اللبنانية عن بعضها البعض، لا سيما البقاعين الاوسط والشمالي، وتشديد الطوق على الهرمل وبعلبك.

وفي هذا السياق، طرحت المصادر اكثر من علامة استفهام حول عدم ترميم واصلاح المعابر الحدودية الشمالية، التي تعرضت للقصف خلال حرب 2024، رغم مرور خمسة عشر شهرا على انتهائها، ما جعل حركة مرور الشاحنات محصورة بمعبر المصنع وحده، واذا كان الامر يعود فقط الى اعتبارات تقنية ومالية، ام ان ثمة تفاهمات غير معلنة او "اتفاقا سريا" مع جهات خارجية يقضي بالابقاء على هذا الواقع؟ بما يسهل التحكم بحركة العبور والضغط على لبنان عند الحاجة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد