هبة ناصر (صحيفة الأخبار)
عند الخطوط الأماميّة، ارتقى إلى الشّهادة الأستاذ في الجامعة اللّبنانيّة ومدير الفرع الأوّل لمعهد العلوم الاجتماعيّة الدّكتور علي زعيتر. قدّم مِنحةَ الحياة بُرهانَ الثّقافة الحيّة وبلاغًا في جدارة العيش، واستراح رجل المهمّات المتشابكة، وفي رصيده العلميّ والفكريّ محطّات مؤثّرة جديرةٌ بالإبراز.
لن يكون المثقّف مثقّفًا إن لم يتجاوز شغفه صفحات الكتب إلى البندقيّة (الشّهيد باسل الأعرج)
إلى ذُرى المجد سيرتقي «المثقّف المشتبك» الشهيد الدكتور علي زعيتر، وما بين ميلاده في 5 شباط 1972 حتّى غيابه السّاطع في 9 نيسان 2026 لن يمرَّ مرورًا عارضًا.
وبصوتٍ راجفٍ تجرحه الدّموع وألمٍ وجيزٍ يسري في القلب، سيُحكى عن الشّهيد الدّكتور علي زعيتر، الزّاهدُ في العلم، التوعويُّ في المجتمع، المتفرِّغُ في القلب، المقبلُ في الانقطاع إلى الله.
في صُلب المعركة، يقدّم الشّهيد إجابةً واضحةً قاطعةً عمّن يرفض «انتكاسة المثقّف» أو «إخضاع المثقّف». يضخّ الدّكتور علي زعيتر دماءً جديدةً في العمليّة الثّوريّة ضدّ مثقّفي الارتزاق والتّمويل أو من يحترفون التّنظير. تثقّف ليشتبك، لأنّ العلميّ أهلٌ للاشتباك. وفي النّهاية، «لن تبقى في الوادي غير حجارته».
السيرة
يافعًا، سيتزوّد الدكتور الشهيد علي زعيتر في بناء شخصيّته من الحامل القيميّ للثّورة الإسلاميّة، ويتغذّى منه بروحيّة الثّورة وأصول الإسلام. سيكرّس نيّة الإخلاص في مِهداف الحياة والعمل الأكاديمي، مع يقينٍ متنامٍ بأنّ الإنسان مُستخلَفٌ في الأرض. وإلى أن تحين اللّحظةُ الفارقة، سيسير لإتمام مهمّته بعزمٍ وبصيرةٍ ثاقبة، وسيُحسن تأدية التّكليف خير أداء.
شكّلت «الهويّة في المعرفة» ركنًا وثيقًا على الامتداد المتّسع لنشاط الشهيد علي زعيتر العلمي وعمله الجامعي، ومنحته فرادةً في الحضور والإنتاج. بعناية، أسّس لجهدٍ معرفيّ في التربية وتهذيب العطاء ونبذ التّدليل المُفسِد، لوعيه المتقدّم بتبادل التّأثير بين الإفادة والأخلاق. مع روحانيّة الإيمان بالثّقافة الإسلاميّة، واصل سعيه الجسور في معركة تحديث الوعي الجمعي وانخرط في مشروع التّثقيف والتّربية.
حكمت اهتمامه، الإدارة السّليمة في التّربية الإسلاميّة الأصيلة والتّخطيط لتشخيص الإمكانيّات. فالتكيُّف مع مبدأ العدالة يراه جوهر علاقة الفرد مع العالم، وخدمة الجموع أولى من توفير الذّات. اجترح المعرفة الثّوريّة المعاصرة من المنهج الخميني وآمن بها لتحرّر وعينا في صالح التّغيير الجمعي.
وغلّب «الإدارة الثقافيّة» على «الإدارة الجامعيّة» أنموذجًا تنظيميًّا لتجويد الإبداع وتنظيم الحياة بكفاءة وفاعليّة. «النّظريّات العلميّة» في الاجتماع والاقتصاد والإدارة جمعها في مقاربةٍ منفتحةٍ بغرض إعمالها في «التّجريد الواقعي». ألهمته «منظورات تاريخيّة» غير موحّدة لتقديم «معرفة إسلاميّة» تميل إلى تلبية الجموع والتّطلّع إلى الآخر.
أمّا في التوجّهات الفكريّة، فتأثّر بالعمق الفلسفي والنّبوغ الفكري في سيرة الشّهيد السّيّد محمّد باقر الصّدر وألهمه في الجمع بين «الأصالة والمُعاصرة». انطلق بالعلم من أساسٍ إسلاميّ وظهرت شخصيّته العلميّة من الفكر العقائدي مثبّتًا أركان الإيمان والعقل في المسلم العلميّ.
وأظهر باكرًا أسبقيّةً في الألمعيّة وتعلّقًا لافتًا بالعبادة. سحرته الصّلاة واهتدى بها إلى صدقة السّر في ألق الشّهادة. افتتن بدرب الصّالحين وأبدع في التّحصيل للوصول. بعينٍ مدقِّقة، رأى العالَم قضيّةً وموقفًا يجهرُ به. المقاومة، تعبيره الإنسانيّ في القتال ضدّ العبوديّة والاستعمار. رابطه القويّ بالأرض تجلّى بالالتحام في سوح الوغى.
علي زعيتر مقاومًا
مذ كبر في بلدته البقاعيّة «إيعات»، وجد في الاحتكاك مع معاناة النّاس طريقه للاهتمام بالتّنمية والتّطوير. ديناميّة العمل الاجتماعي الفعّال عزّزت عنده «الواقعيّة السّياسيّة» وزادت إدراكه للنّضال ورفضه للخضوع.
شابًّا، لزم الميدان. كان الأصغر سنًّا بين مجموعته الجهاديّة في مدينة بعلبك. بالانتقال إلى بيروت للدّراسة الجامعيّة، تصدّى لمسؤوليّة العمل الطّالبي في الجامعة العربيّة واستكمل تأهّله العسكري مع التّعبئة التّربويّة.
رابط في معارك مهمّة ضدّ العدوّ الإسرائيلي في القطاع الأوسط والإقليم جنوبيّ لبنان من عام 1992 حتّى عام 1997. وقتذاك، أتمّ دوراتٍ تخصّصيّةً تخدم الجبهة، وساهم بالتّخطيط لعمليّات آلمت العدوّ الإسرائيلي.
الأستاذ الجامعي علي زعيتر
سافر لتحصيل الدّراسات العليا. في طهران، تطوّع في مكتب حزب اللّه لخدمة الطّلّاب اللبنانيّين ومساعدة الرّاغبين بالدّراسة في إيران. أتمّ دراسته الأكاديميّة، ولم ينسَ شغفه بالجهاد، وفيه الاختبار الحقيقيّ لكلّ ما تعلّم.
صيف عام 2011، عاد إلى بيروت. التحق بالجامعة اللّبنانيّة، كتب بحوثًا في الاقتصاد، وأشرف على أطروحات الماجستير والدّكتوراه. واستأنف العمل الجهاديّ، لأنّ المحكّ الحقيقيّ هو الميدان.
خاض التّجربة الثّوريّة بالقوّة النّاعمة والقوّة الصّلبة. آمن بالانتفاضة، وأفصح عن استثنائيّةٍ مدوّيةٍ بامتلاك أدوات الاشتباك الأكاديمي والميداني. لا حصر لوسائل المقاومة وخطابها، ذاك المنطلق الأساس في إعداد تكوينه الثّقافي الخاصّ.
عبّر عن «المثقّف العضوي» المتقدّم والمسؤول والمبدئي لا «المثقّف البرجيّ» المشبوه والمبهم والمزيّف. أحكم المعرفة المنهجيّة في تكثيف العمليّة الثّوريّة. أكاديميٌّ، يقارب الوقائع المجرّدة والمعلومة في إطارها النظري. ميدانيٌّ، يعاين المواجع على مقربةٍ من المعاناة المجتمعيّة.
العمل يساوي الجهاد
أنفق زاده الثّقافيّ في حتميّة الاشتباك مع الهيمنة والاستعمار واستحالة التّعايش مع العبوديّة والاستسلام. بخياراتٍ واضحة، باشر المواجهة في عمق حالة الاشتباك، مع وعيه المتقدّم بالمسؤوليّة التّاريخيّة في التّجديد والتّأثير. خاض الالتحام المباشر مع أدوات الصّراع الضخمة والمعقّدة وتقدّم إلى طليعة العمل النّضالي.
اختار الاشتباك بالثّقافة الواعية على الانكفاء بالثّقافة المجرّدة، وفاضل السّيادة على العبوديّة. في صدارة المعركة، شكّلت الهويّة الوطنيّة دافعه الجذريّ لطرد الوهن وتثبيت الحقوق بالتّجربة العمليّة. طارد الوعي المزيّف خارج الطّبقة المخمليّة للمثقّف، وأعمل السّلاح لئلّا يُفرض علينا الوهم بمسمّياتٍ كثيرة وتحت ذرائع مختلفة. مطواعًا مع الجدوى المستمرّة للحياةِ المقاوِمة، برز إلى الميدان مع سموّ مقدرةٍ في الثّبات والإثبات ضدّ الأصوات الواهنة المتردّدة.
لازم الاقتصاد والتّنمية صدارةَ اهتمامه، وبحث في تطوير نموذج خارج الرّؤية الرأسماليّة الاستهلاكيّة. النجاح الباهر لمعرض «أرضي» للمنتجات الزّراعيّة كرّس رؤيته البارعة في الإدارة والتّواصل. ربط المنتجين الصّغار مع المواطن والسّوق للتّخفّف من احتكار كبار التّجّار.
في صالح العموم، جمع النّظريّات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة وطوّع الفكرة الرّأسماليّة عن خدمة الفرد في صالح الفكرة الإسلاميّة حول خدمة المجتمع. انشغل مؤخّرًا بالتّحضير لإطلاق مكتبة رقميّة وترتيب آليّة إلكترونيّة تحفظ حقوق الملكيّة وتلبّي القارئ.
يحاضرُ في كلّيّة العلوم الاقتصاديّة والتّنمية، ويديرُ الفرع الأوّل لمعهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللّبنانيّة. كان مع الجيل الخميني المؤسّس للقاعدة التّربويّة والتّثقيفيّة في «حزب الله»، واستمرّ في تقديم الاستشارات الأكاديميّة لمؤسّساتٍ إنمائيّة وجمعيّاتٍ صناعيّةٍ في الحزب.
الشهادة
قبل أشهر، يزور متفقّدًا عائلة شهيد. يهمّ بالمغادرة، ثمّ يعود إلى أمّ الشّهيد وينحني قليلًا عند رأسها. لاحقًا، في بيت العزاء، ستبوح الأمّ برجاءٍ همس به: «آملُ دعاءكِ للفوز بتشريف الشّهادة».
في معركة «أولي البأس»، انضمّ للقتال بعد أن كتب وصيّته بالبقاء على الولاية والمثابرة في التّعلّم. عادَ المثقّف بعد الحرب، وكلّ من حوله يعرف: لم يوفّق لما طلب. مطلع العام الجديد، دوّن مخطّط السّنة كدأبه مذ كان طالبًا جامعيًّا. في الأيّام الأولى للرّبيع، ستهتدي الشّهادة إلى من أنفق عمره في العبور نحوها.
المناصب عنده صوتٌ وسيطٌ مستترٌ لمسؤوليّةٍ واجبة في تجديد الوعي وتحقيق التّأثير المجتمعيّ. اشتغل في تنظيم الحياة، ولم ينشغل بالمهامّ المتزاحمة عن تطلّعه المكتوم إلى ما يلبّي الطّموح. في اليوم الأوّل من «العصف المأكول»، أرسل مرّتين يصرّ على الالتحاق بالعمل العسكري.
لم ينقطع عن متابعة شؤون الجامعة في أثناء القتال. وقبيل نهاية الشّهر الإداري، عاد ليلةً واحدةً يسيّر مسائل مُلحّة. أنجز مهامّ الإدارة. بعدها، ستستحيل العودة إلى الميدان، وسيقع في نفسه الخوف من الانقطاع عن الجبهة. وهنا، حكاية أُخرى عن المثابرة الأيقونيّة والإيفاء بالوعد لرفاق السّلاح.
في البيت، لن يودّع الأحبّة. سيبلغ الميدان بعد ساعات بسيّارته الخاصّة، وفي الرّحلة الطّويلة برفقة العائلة فرصةٌ لوداعٍ أخير وذكرى لن تنطفئ. تلك العائلة هي البقيّة الصّالحة، وفيها زرع كلّ ما أحبّ وآمن واعتقد. عند خطوط المواجهة الأماميّة، سيجد أجوبته، «وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشّهيد؟».