اوراق مختارة

الخليج والحرب على إيران.. سقوط وهم الأمن المُستورد!

post-img

يوسف وهبي/جريدة الأخبار

في فلسفة التاريخ، تسقط الممالك ليس حين يضعف جيشها، بل حين تظن أن أمنها يُستورد في صناديق خشبية من وراء البحار. كان الخليج، لعقود، يعيش على هذه الأسطورة، أن الحماية سلعة تُشترى بالدولار، وأن حامل هذه السلعة هو الأميركي الذي لا ينام.

لكن اليوم، والغبار يعلو سماء المنطقة، ووعود واشنطن تتساقط كأوراق الخريف الجافّة، نستيقظ على حقيقة مرة: ما يحدث في الخليج ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انهيار كامل لمنظومة الوهم الكبير التي صُدّرت إلينا بعناية فائقة. وإلى جيل الشباب، الذين يبحثون عن الحقيقة خلف ضجيج الشاشات المضيئة، أقول: هل تساءلتم يومًا لماذا تملك دولنا أحدث الطائرات وأضخم القواعد العسكرية، ومع ذلك تبدو مكشوفة الظهر في كل مواجهة حقيقية؟

لنتخيّل معًا مشهدًا دراميًا: صحراء شاسعة، قواعد عسكرية حديثة تضيء لياليها كعيون ناطحة السحاب، وطائرات تحلّق في السماء كأنها طيور حديدية لا تُقهر. ثم تأتي لحظة الاختبار، فتتوقف كل هذه الآلات عن العمل. ليس عطلًا ميكانيكيًا، بل هو عطل في الإرادة.

لسنوات طويلة، بيعت لحكام الخليج خرافة كبرى، أن الأمن يُشترى بالدولار، وأن المظلة الأميركية هي السقف الذي لن يسقط أبدًا. لكن اليوم، ونحن نرقب غبار المعارك ونصغي إلى دوي القنابل من بعيد، نكتشف أن تلك المظلة كانت مثقوبة منذ البداية. التريليونات التي تدفّقت من خزائن الخليج لم تكن سوى استثمار في حارس لا يحمي إلا نفسه، أو بالأحرى، لا يحمي سوى المدلّل الإسرائيلي.

ألم تلاحظوا أن واشنطن، ببراعتها المعتادة في التزييف، حاولت أن تُظهِر دول الخليج كشركاء في نصر مزعوم؟

لقد وزّعت على أولئك الشركاء أدوارًا ثانوية في فيلم أميركي صرف، محاولةً ترميم معنوياتهم المنهارة. لكنّ الحقيقة تؤكدها الوقائع. فالنصر الوهمي الذي تتغنى به أميركا مفضوح أمام العالم أجمع، وأمام أبناء الخليج بشكل خاص، الذي يرى بأمّ عينيه تهاوي القواعد المدجّجة بالعتاد، والتي لم تملك القدرة أو حتى الرغبة في حماية عاصمة خليجية واحدة من التدمير أو الانكسار.

هنا يأتي سؤال الخليج الأصعب: كيف وصلنا إلى هذا المأزق؟ الجواب بسيط ولكنه موجع: لأن الإرادة الخليجية سُلِّمت للسلطة الأميركية التي لا تعترف إلا بمصالح تل أبيب. لقد تحوّلت الهيبة التي بُنيت على آبار النفط إلى رماد، بعدما تبيّن أن الشريك الأميركي لا يرى في حلفائه سوى شركاء نصر وهمي، يصلحون كغطاء إعلامي لإخفاقاته الاستراتيجية.

نحن الآن أمام خريطة جديدة تمامًا. إننا نشهد نهاية الدور الريادي لبعض دول الخليج في المنطقة. لقد كسرت أميركا هيبتها بأسلوب صامت لكنه قاتل، حين أصرّت على توريطها في شراكة حرب لا تجرؤ على نفيها، ولا تملك أدوات إدارتها.

هذا الانكسار ليس سياسيًا فقط، بل هو بنيوي وهيكلي. انتهت دولة الإمارات المتحدة التي كنا نعرفها كدولة استقطاب مالي واستثماري، بعد أن صار أمنها معلّقًا بخيط عنكبوت أميركي. انتهت مملكة البحرين التي ظنت يومًا أن الأسطول الخامس هو قدرها المحتوم وحصنها المنيع. أمّا المملكة العربية السعودية، فقد فقدت مكانتها كصاحبة الكلمة الفصل. وانكسرت طموحات دولة قطر، وطاشت بوصلة دولة الكويت في بحر من التحوّلات المتسارعة لا تعرف له شاطئًا، دون أن ننسى في المقابل أن إسرائيل انتقلت من مرحلة الحلم بإسرائيل الكبرى إلى العمل للمحافظة على وجودها.

لكن في خضمّ هذا الخريف الخليجي، بدأت بذور ربيع جديد في الظهور. نحن الآن في مخاض مرحلة جديدة، مرحلة لا ترسمها الخطابات الرنانة، بل ترسم مسارها نتائج الميدان وطاولات المفاوضات التي تُعقد في عواصم غير تقليدية، مثل باكستان، حيث تجلس الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران بعد حرب طاحنة لتحسما أمر المنطقة.

في هذا المشهد الضبابي، يبرز تحالف جديد وهو الرباعي الإقليمي. هذا التحالف الذي تقوده باكستان بقوتها النووية وعمقها الاستراتيجي، ويضم تركيا ومصر والسعودية، يمثّل طوق النجاة الأخير للسعودية تحديدًا بعد أن ضعف دورها جرّاء الحرب على إيران. إنه ليس بالضرورة تحالفًا عاطفيًا، بل ضرورة فرضتها الحاجة إلى التوازن في مواجهة الصعود الإيراني وحماية من الجنون الإسرائيلي.

هنا تكمن المفارقة الأكبر: موقع السعودية داخل هذا الحلف لم يعد موقع الدولة القائدة الآمرة التي اعتدناها، بل الطرف الطائع الذي أدرك أخيرًا أن لغة العنجهية لم تعد تُصرف في سوق السياسة الدولية. ولعل هذا ما جعل خطاب هذه الرباعية يبدو متّزنًا، منطقيًا، هادئًا، وخاليًا من لوثة التعالي التي ميّزت السياسة السعودية لسنوات. إنه تواضع قسري، ولكنه في هذه الحالة، تواضع منقذ.

الدرس الأكبر الذي ينبغي أن تعيه دول وشعوب المنطقة اليوم، هو أن الحماية لا تأتي من تحت هيمنة الأميركي. القيمة والوزن والردع الحقيقي ضد الأطماع الإسرائيلية لن تتحقق إلا بخطاب المنطق مع الجار الإيراني، وببناء تحالفات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة، لا على التبعية العمياء.

طالما بقيت دول الخليج تراهن على الإرادة الأميركية، وتُبقي قرارها رهينة لصندوق انتخابي في واشنطن أو نزوة سياسي في البيت الأبيض، فستظل بلا دور وبلا قيمة. مجرّد قطع شطرنج في لعبة كبرى لا تبالي بمصيرها.

المنطقة تتغيّر بسرعة الصاروخ. ومن لا يملك اليوم شجاعة المراجعة والتحرر من أوهام الحماية الأجنبية، سيجد نفسه وحيدًا في مواجهة عواصف التاريخ. الحكمة الآن تقتضي أن نبني جسورنا بأيدينا، لا بأموالنا التي تذهب لخدمة عدونا. فنحن نملك المال، نملك الموقع، نملك الإرادة، لكن علينا فقط أن نستعيد هذه الإرادة ممن استعاروها بلا إذن.

حان وقت الاستيقاظ، الخريف يقترب من نهايته، والشتاء قادم. والذكي من يستعدّ لربيع جديد يُصنع هنا، في عواصمنا، وليس في واشنطن..

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد