شفيق طبارة/جريدة الأخبار
لم تكن السينما يومًا مجرد فنّ للمتعة البصرية، بل كانت دائمًا ساحة تُختبر فيها سرديات القوة، وتُعاد فيها صياغة معنى الصراع، حيث تتحوّل الحروب إلى حكايات. مكان تتواجه فيه الأمم، ويولد فيه الأبطال، وتتحوّل فيه الحروب إلى صور قادرة على إعادة تشكيل خيال جماعات بأكملها حول القوة والهزيمة والسلام، وكل ما يتخلّلها. لكن خلف الضجيج، وخلف الانفجارات والخطابات والمواجهات، توجد دائمًا حكاية أخرى أكثر خفوتًا... حكاية التفاوض.
كثيرة هي الأفلام التي تناولت علم الصراع وفعل التفاوض، ذلك الفعل الذي تصوّره المخيلة السينمائية أحيانًا كخطوة مريبة، أو تنازلًا، أو مغازلة للخطر. ومع ذلك، تظلّ تذكّر بأن التفاوض ليس ضعفًا ولا تراجعًا، بل هو محاولة لتهدئة الأوضاع وتخيّل بدائل للعنف.
من الشاشة إلى قاعات التدريب.. السينما أداة تعليمية
قبل نحو عقد، بدأت تظهر مقاربات ودراسات جامعية حول أهمية استخدام مقاطع الأفلام كأدوات تعليمية داخل ورش التفاوض وعلم الصراعات (Conflictology). هذا التوجّه يبيّن كيف يمكن للسينما أن تردم فجوات بين النظرية والتطبيق، وبين المحاكاة والواقع. فالمشهد السينمائي يمنح فرصة نادرة لمراقبة السلوك التفاوضي في لحظته، رغم ما يرافقه من قيود. وغالبًا ما تكون مشاهد الأفلام مُبالغًا فيها أو مشحونة دراميًا على نحو يُبعدها عن الواقعية. وفي المقابل، تبدو العديد من فيديوهات التفاوض التعليمية مصطنعة أو مُعدّة مسبقًا. لذلك، يظلّ للمشهد السينمائي قوّة لا يمكن تجاهلها، فمشهد واحد يتكشف على الشاشة قادر على توضيح مبدأ تفاوضي أكثر من أي دليل تدريبي.
النموذج الأميركي.. التفاوض ملحمة بطولية
عند جمع هذه الأفلام معًا، يصبح من السهل رؤية الخيط الذي يشدّها إلى حاضرنا، حيث تتكثّف التوترات حول مضيق هرمز، وتتشابك المفاوضات الإقليمية والدولية في شبكة لا تقل تعقيدًا عن تلك التي صوّرتها السينما. لكن الفارق أن السينما الأميركية، كما تكشف هذه الأفلام، لا تكتفي بتوثيق التفاوض، بل تعيد تشكيله كملحمة بطولية تُظهر الولايات المتحدة دائمًا في موقع الطرف الذي يعرف كيف يدير اللعبة، ويقرأ خصومه، ويخرج في النهاية منتصرًا أخلاقيًا وسياسيًا.
يُعدّ «جسر الجواسيس» (2015، «Bridges of Spies») واحدًا من أكثر أفلام التفاوض إثارة في العقد الأخير. فصفقة تبادل الجاسوس السوفييتي رودولف أبيل بالطيّار الأميركي فرانسيس غاري باورز، بعد إسقاط طائرته فوق روسيا عام 1960، سرعان ما تتكشّف كشبكة معقدة من المفاوضات المتداخلة، لا كصفقة ثنائية بسيطة. في قلب هذه الشبكة يقف المحامي جيمس دونوفان (توم هانكس)، القادم من نيويورك، والذي يجد نفسه مضطرًا للتفاوض مع ثلاث حكومات في آن واحد: موسكو، وبرلين الشرقية، وواشنطن.
هنا تتقاطع الاستراتيجيات التعاونية والتنافسية والمختلطة في دوّامة سريعة، وتتبدّل بنية كل مواجهة بفضل قدرة دونوفان على إعادة تشكيل الخيارات، وتحديد مساحة تحرّك الخصم، وقراءة خطوته التالية قبل أن يُقدم عليها. ويُبقي المخرج ستيفن سبيلبرغ المشاهد مشدودًا، كاشفًا مهارة دونوفان في الموازنة بين الحزم والمرونة، وفي بناء فضاء تفاوضي لا يُمنح بل يُنتزع بالصبر والدقة. وتبقى القيمة الأبرز للفيلم في تعدد نماذج التفاوض التي يعرضها، وفي السرعة التي ينتقل بها أبطاله بين هذه النماذج، وهي قيمة ستتردد أصداؤها أيضًا في أفلام أخرى لسبيلبرغ تتناول التفاوض كفعل سياسي وأخلاقي.
من هذا الباب تحديدًا، ينتقل «لينكون» (2012، «Lincoln») ليُكمل الصورة من زاوية مختلفة، حيث تتجلى البراعة التفاوضية للرئيس الأميركي السادس عشر (دانيال جاي لويس) وسط معركة سياسية شرسة لكسب أغلبية في الكونغرس ضد العبودية. ورغم مقاومة ملاك المزارع والسياسيين المؤيدين للاسترقاق، ينجح لينكون في النهاية بفضل قدرة نادرة على تعديل استراتيجياته وفق اللحظة.
يقنع حينًا بقوة الحكاية والاستعارة، وحينًا آخر بمنطق صارم، وإن تعثرت محاولاته الأولى، يلجأ إلى الضغط المدروس وتقديم الحوافز لفتح الطريق نحو الهدف. يقدّم سبيلبرغ رؤية سينمائية دقيقة لأساليب الترغيب والترهيب التي استخدمها لينكون في مفاوضات معقدة ومتعددة الأطراف، كاشفًا عن أسلوب تفاوضي متنوع. وفي خلفية كل ذلك، يبرز جوهر الفيلم: أهمية امتلاك رؤية واضحة تُوجّه المفاوضات، مع قدرة مرنة على التكيّف مع الظروف من دون التفريط بالغاية، وهي ثنائية ستعود بقوة في أفلام تتناول الأزمات الكبرى.
هنا يطلّ «ثلاثة عشر يومًا» (2000، «Thirteen Days») للمخرج روجر دونالدسون ليأخذ هذه الثنائية إلى أقصاها، في لحظة كان فيها العالم على حافة حرب نووية. فمع نشر نيكيتا خروتشوف صواريخ سوفييتية في كوبا، على بُعد 90 ميلًا فقط من فلوريدا، وفي مرمى 80 مليون أميركي، وجّه كينيدي إنذارًا صريحًا بإزالتها. ومع اقتراب السفن السوفييتية المحمّلة بمزيد من الصواريخ، فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا، والعالم يحبس أنفاسه. يروي الفيلم الأزمة من خلال عين كيني أودونيل (كيفن كوستنر)، المستشار الخاص للرئيس كينيدي (بروس غرينوود)، كاشفًا لحظة كان فيها مصير العالم معلّقًا على حكمة مجموعة صغيرة من الرجال. وكما في «لينكون»،
يُقدّم الفيلم الرئيس وشقيقه (ستيفن كولب) كمفاوضين بارعين، قادرين على تبديل أساليبهما بحسب الموقف، من الجدلية الصارمة إلى التوافق، ومن التعاون إلى التفكير الإبداعي الذي يفتح حلولًا تبدو مستحيلة. يشجّع كينيدي على النقاش الجاد قبل اتخاذ القرار، ويمنح نفسه وقتًا للتفكير رغم الضغط الهائل، في ممارسة تفاوضية تُدرك خطورة كل خطوة. وفي عمقه، يقدّم الفيلم دراسة متقنة لصنع القرار في الأزمات، وللمساومة عبر القنوات الخلفية، ولإدارة لعبة حافة الهاوية، وهي عناصر ستتكرر في أفلام تربط بين الميدان العسكري وطاولة التفاوض.
من هذا الربط تحديدًا، يبرز «تلة بورك تشوب» (1959، «Pork Chop Hill») للمخرج لويس مايلستون، الذي يستند إلى شهادات جندي سابق (غريغوري بيك)، وتدور أحداثه في الساعات الأخيرة من مفاوضات السلام بين كوريا والولايات المتحدة. يروي الفيلم، بواقعية صارمة وإيقاع متسارع، عملية استيلاء القوات الأميركية على التلة، وهي عملية لم تُنفّذ لضرورات عسكرية بقدر ما كانت رسالة تفاوضية صريحة: إظهار للمفاوضين الشيوعيين أن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة القتال ما لم يُنجز اتفاق. في هذا التوتر بين ساحة المعركة وطاولة المفاوضات، يكشف الفيلم كيف يمكن لعمل عسكري محدود أن يتحوّل إلى أداة ضغط، وكيف تُستخدم القوة، أو التلويح بها، لإعادة تشكيل شروط التفاوض في لحظة حساسة من التاريخ، تمهيدًا لأسئلة أكبر حول معنى التفاوض حين تكون الحرب نفسها جزءًا من لغته.
على هذا الخط نفسه، يأتي «أحلك ساعة» (2017، «Darkest Hour») لجو رايت، ليضع بريطانيا في لحظة تبدو فيها الأمة كلها محصورة في غرفة واحدة. الملك وتشرشل (غاري أولدمان) ومجلس الحرب، رجالٌ يتجادلون حول مصير آلاف الجنود العالقين على الشواطئ، ويتأرجحون بين إغراء التفاوض الذي يبدو عقلانيًا على الورق، وهاجس المواجهة المباشرة مع آلة ألمانية تتقدّم بلا رحمة. وهنا، كما في الأفلام السابقة، يصبح التفاوض ليس مجرد خيار سياسي، بل اختبارًا للخيال، وللقدرة على قراءة اللحظة، وللشجاعة التي توازن بين ما يمكن إنقاذه وما يجب الدفاع عنه حتى النهاية.