صحيفة الأخبار
في مراكز الإيواء في لبنان، تتقاطع المعاناة اليومية للنازحين مع محاولات استعادة الحد الأدنى من الكرامة، وسط ظروف إنسانية قاسية تتفاقم بفعل العدوان والنزوح المتكرر.
مركز إيواء... من مستشفى إلى ملجأ
تنقل مسؤولة التواصل في لبنان في «أطباء بلا حدود»، مريم سرور، مشاهد من زيارتها إلى أحد مراكز الإيواء، وهو مبنى كان في السابق من أكثر مستشفيات بيروت تطوراً، قبل أن يتحوّل إلى مأوى لنحو 400 نازح.
وتقول: «لم أدرك كم حاولت نسيان هذا المكان، إلى أن عدت إليه مجدداً»، واصفةً الجدران الرمادية والمياه الآسنة التي تغمر الأرضيات.
المبنى الذي كان رمزاً للرعاية الصحية، بات اليوم مساحة مشتركة لعائلات هجّرتها الغارات وأوامر الإخلاء. «ما من مراحيض. ما من مياه جارية»، تقول، فيما تتضاعف المعاناة اليومية في ظل غياب أبسط مقومات الحياة.
نزوح متكرر واحتياجات متفاقمة
بعد أكثر من 16 شهراً من التصعيد، أُجبر أكثر من مليون شخص على النزوح، بعضهم للمرة الثانية أو الثالثة. وتعمل فرق «أطباء بلا حدود» على إعادة تأهيل شبكات المياه وتركيب خزانات ومرافق صحية، في محاولة لتخفيف العبء عن السكان.
في أحد الطوابق، تروي سرور قصة الطفلة نور، التي وُلدت تحت القصف. تقول والدتها: «أعقّم وأنظف طوال الوقت... لا أريدها أن تلتقط أي عدوى». وفي غرفة أخرى، يعاني طفلان من إعاقات حركية وإدراكية، توقّف علاجهما بسبب النزوح، فيما تقول عمتهما: «لا أريد سوى أن يكون لديهم مستقبل».
«البقاء بصحة جيدة»... مهمة شاقة
وتوضح نائبة المنسق اللوجستي في المنظمة، إيلينا فرنانديز، أنّ «انعدام المياه والصرف الصحي يحوّل البقاء بصحة جيدة إلى معاناة يومية». وتؤدي هذه الظروف إلى انتشار الأمراض، فيما يضطر بعض المرضى إلى تقليل شرب المياه لتجنب استخدام مراحيض غير متوفرة.
قصص فردية تختصر المأساة
في الطابق الأعلى، تلتقي سرور بحسنة، التي شُخّصت بالسرطان قبل نزوحها. تقول: «أنا مستعدة للموت، لكنني لا أريد أن أؤذي أحداً». وبسبب حاجتها للعزل بعد العلاج، شكّلت ظروف الإيواء تحدياً خطيراً.
لاحقاً، ركّبت فرق «أطباء بلا حدود» مرحاضاً داخل غرفتها، ما أتاح لها متابعة العلاج بكرامة. وتضيف بابتسامة: «سيمرّ كل شيء... طالما أنّنا سنعود إلى ديارنا سالمين».
وفي مختلف أنحاء لبنان، يعيش آلاف النازحين في مدارس وخيام ومبانٍ غير مكتملة، من دون وصول مستقر إلى المياه أو الخدمات الأساسية. وتواصل «أطباء بلا حدود» تدخلاتها بالتنسيق مع الجهات المحلية، لكن حجم الاحتياجات لا يزال يفوق الإمكانات.
وسط هذا الواقع، تختصر سرور المشهد بقولها إنّ ما يجري «ليس استثناءً»، بل صورة متكررة لنزوح طويل، حيث تصبح استعادة الكرامة جزءاً من معركة يومية من أجل البقاء.