اوراق مختارة

عون وسلام.. فرصة أخيرة !

post-img

إبراهيم الأمين/جريدة الأخبار

يحتجّ الرئيسان جوزيف عون ونوّاف سلام على الحملة ضدّهما، ويكثران من التعبير عن ضيقٍ إزاء كلّ رأي يتناقض مع سياساتهما. وبمعزلٍ عن قدرتهما على تغيير الوقائع السياسية داخليًا وخارجيًا، فإنّ الإشكالية تكمن في المنطق الذي يحكم موقفيهما، وتحديدًا في إصرارهما على خيارات يعتقدان بأنها أكثر فاعلية من خيار المواجهة بين المقاومة وقوات الاحتلال.

لنضع جانبًا سردية المقاومة حول أحقّية وواجب التصدّي للعدوان، ولنناقش سردية الفريق الذي يقوده عون وسلام. تقوم هذه السردية على أنّ إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، تمثّلان القوة العسكرية والاقتصادية الأبرز عالميًا، وأنه لا يمكن لأي طرفٍ مواجهتهما، وأنّ من يُقدِم على ذلك سيدفع ثمنًا باهظًا. وتنتقل السردية إلى مرحلة ثانية، مفادها أن من يُسلِّم بهذه الوقائع، لا بد أن يبحث عن مسارٍ يقوده إلى تسوية مع أميركا وإسرائيل. غير أنّ أصحاب هذه المقاربة يتوقّفون عند هذا الحدّ، من دون تقديم تصوّر واضح لماهية هذه التسوية أو مآلاتها.

لا تكمن مشكلة سردية الفريق الذي يقوده عون وسلام في تشخيصهما الخاطئ للوقائع فحسب، ولا في غياب الإرادة الفعلية لديهما لمواجهة العدوان على لبنان، ولا في ضعفهما الكبير إزاء «الرجل الأبيض»، أو في حقدهما القديم على المقاومة وعلى حزب الله على وجه التحديد. بل إنّ جوهر المشكلة يكمن في أنهما يعتقدان بأنهما يمتلكان مفاتيح التأثير في القرار الأميركي، وبقدرتهما على إقناع إسرائيل بالحلّ السياسي.

في السردية نفسها، يؤكّد عون وسلام أنّهما يمثّلان الشرعية في لبنان، وتحديدًا الشرعية الدستورية. وعندما يُحاجِجان خصومهما، يستندان إلى أنّ مجلس النواب هو من انتخب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وهو نفسه من كلّف نوّاف سلام بتشكيل الحكومة، وهو أيضًا من منحها الثقة.

في لحظةٍ ما، يتناسى عون وسلام أنْ لا معنى فعليًا لعمل هذه المؤسسات في بلدٍ كلبنان، ويعتمدان سياسة إنكار حيال حقيقة أنّ من أوصلهما إلى موقعَي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، هو الاحتلال الأميركي والوصاية السعودية، ومن خلفهما إسرائيل وأطراف أخرى. وقد نجحت الولايات المتحدة في فرض خيارها، مستفيدةً من حالة الخضوع التي أبدتها كل القوى التي وافقت على وصولهما إلى الرئاستين الأولى والثالثة.

إذا كان عون وسلام بحاجة إلى من يُنعِش ذاكرتيْهما، يكفي التذكير بأنّ الكتل النيابية الكبيرة، من حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والحزب التقدّمي الاشتراكي، إلى جانب عدد من المستقلّين، كانت تفضّل خياراتٍ أخرى في رئاستي الجمهورية والحكومة. صحيح أنّ هذه القوى لم تكن متّفقة على بديلٍ واحد، لكنّها، باستثناء التيار الوطني الحر وبعض النواب المستقلّين، أُرغمت على السير في المشروع الأميركي - السعودي.

إلى جانب ذلك، فإنّ طبيعة تشكيل الحكومة لم تقم على توازنٍ يعكس الشرعية الشعبية في لبنان. وهذا لا ينفي لبنانية الوزراء أو حقّهم في تولّي مناصبهم، لكنّ من يتحدّث عن الشرعية، عليه أن ينطلق من أساسها، أي التمثيل في مجلس النواب. ومن هذا المنطلق، تبدو «خبرية الشرعية» ليس لها أي معنى، خصوصًا في حالتي عون وسلام. بل أكثر من ذلك، فإنّ الممارسات التي صدرت عنهما منذ تولّيهما مَهامهما، تفتح الباب واسعًا أمام إعادة طرح مسألة مشروعيتهما الدستورية والشعبية والسياسية في هذه اللحظة.

لم تعد مشكلة عون وسلام مقتصرة على خضوعهما لبرنامج عملٍ فرضه التحالف السعودي - الأميركي، ومن خلفه إسرائيل، بل تجاوزت ذلك إلى إيغالهما في استغلال الظرف القائم للسير في خطوات تنطوي على مخاطر كبيرة، منها:

أولًا، التشكيك في وطنية ولبنانية شريحة من اللبنانيين، ومنح نفسيهما حق منح الشرعية لهذه الجهة أو تلك، وهو أمر يناقض الحتمية التاريخية التي تقول إن مقاومة الاحتلال لا تتطلّب إذنًا من أحد، لا من سلطة سياسية ولا عسكرية ولا رسمية.

ثانيًا، تعريض السلم الأهلي لخطرٍ بالغ، عبر الضغط على الجيش وسائر الأجهزة الأمنية للقيام بخطوات قد تقود إلى مواجهة مع الناس. ورغم الرهان على وعي قيادات هذه المؤسسات وحسّها الوطني، فإنّ ذلك لا يُسقِط الجريمة الكبيرة التي يقف خلفها عون وسلام من خلال التحريض على حرب أهلية.

ثالثًا، محاولة فرض وقائع جديدة في علاقات لبنان الخارجية، سواء في ما يتعلّق بالموقف من إيران - وهو موقف ينسحب على قوى أخرى في المنطقة، من بينها فصائل المقاومة الفلسطينية - أو من خلال التعامل مع المطالب الأميركية كأنّها وصايا تمثّل مصالح اللبنانيين. وما خطوة الذهاب إلى واشنطن ومصافحة العدو، من دون الحصول على أي مقابل ولو شكلي، إلا إشارة إضافية إلى عدم صلاحية عون وسلام لقيادة المؤسسات التي يشغلان مناصب رئيسية فيها.

ما يجري اليوم يضع لبنان على حافة انفجارٍ كبير. وسيتحمّل عون وسلام، شخصيًا وبما يمثّلان، مسؤولية كاملة عن أي دمٍ يُسفك. وهما، في الأساس، يتحمّلان مسؤولية استمرار العدوان الإسرائيلي، بسبب خفّتهما حين انساقا خلف سفير معتوه، اسمه ميشال عيسى، متعصّب وطائفي وجاهل في السياسة، ولا يزال يعيش في عام 1975، ورفضا شمول وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا للجبهة اللبنانية. كما يتحمّلان مسؤولية أي نقطة دم تسيل في الشارع المحتقن، حيث تطلّ الفتنة الداخلية برأسها، ويوجد من يعلن استعداده للسير فيها، كـ«القوات اللبنانية» التي لم تتعلّم أبدًا من دروس التاريخ، وتعرّض المسيحيين في لبنان لكارثة جديدة.

ستنتهي الحرب مع إيران، وسيُفرض وقفٌ لإطلاق النار في لبنان، على الأرجح نتيجة ضغطٍ أميركي على إسرائيل في سياق الحرب على إيران، وليس لكما أيّ جميل في ذلك. وعليكما الاستعداد لتلقّي القسط المناسب من غضب أهالي الشهداء والضحايا. ولا تعتقدا أن من أتى بكما إلى حيث أنتما، قادر على أن يوفّر لكما الغطاء بعد اليوم.

إذا كان نواف سلام يحدّث نفسه كل صباح باعتباره ممثّلًا لجماهير غفيرة، فهذه عوارض تحتاج إلى طبيب لمعالجتها. أمّا جوزيف عون فهو أمام اختبار لتصحيح مساره السياسي وطريقة عمله في إدارة الموقع الذي يحتلّه، إلا إذا كان يريد تمضية بقية عهده على طريقة الياس سركيس. والحكمة تقول إنه عندما تحتاج إلى تحسين خدمات مركز صحي، عليك أن تعيد النظر في العاملين فيه، لا في ألوان جدرانه!

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد