عندما يكون الحذر العلمي ضرورة... لا ترفاً أكاديمياً!

post-img

عبد الله محي الدين (صحيفة الأخبار)

طرح استطلاع الرأي الذي أعدّته «الدولية للمعلومات» حول مواقف اللبنانيين من الحرب والتفاوض مع إسرائيل والتطبيع معها، تساؤلات منهجية وسياسية حول النتائج التي تضمّنها، والتي أوحت، أو أريد لها أن توحي، بأن «التعب الجماعي» الناتج من الحرب والانهيار الاقتصادي والخوف من المستقبل يدفع المجتمع اللبناني نحو خيارات كانت تُعتبر من المُحرّمات السياسية والاجتماعية. وأن هذه الخيارات تعبّر عن تحوّلات عميقة وبنيوية في نظرة المجتمع إلى الصراع مع إسرائيل، كما عبّر القيادي في حزب «القوات اللبنانية» النائب ملحم رياشي في حلقة تلفزيونية بقوله إن هذه النتائج تشير إلى «تيار عميق في الرأي العام اللبناني»، مستخدماً المصطلح الفرنسي «Vague de fond».

تضمّن الاستطلاع نتائج حول 31 سؤالاً موزّعة على أربعة مُتغيّرات (العمر، الجنس، الطائفة والمحافظة)، وهو رقم كبير في استطلاع رأي سياسي. ولا تتّسع هذه المقالة لعرض ومناقشة جميع النتائج، بل تتناول عدداً من الثغرات المنهجية في إعداد الاستطلاع وتنفيذه. ومن أبرز النتائج التي خلص إليها أن 49% من اللبنانيين يؤيّدون توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل مقابل 34.4% يعارضونها، وأن 49% يؤيّدون التفاوض المباشر مع إسرائيل مقابل 33.2% يرفضونه، وأن 32.9% من اللبنانيين يحمّلون إسرائيل مسؤولية الحرب على لبنان، مقابل 32.8% يحمّلونها حزبَ الله، وأن 43.3% يؤيّدون لقاء الرئيس جوزاف عون مع نتنياهو مقابل 36.6% يعارضونه.

بلغت عينة الاستطلاع 2000 شخص ممن تزيد أعمارهم على 21 عاماً، وبلغت نسبة الرفض 26%. كما تضمّن الاستطلاع 31 سؤالاً حول قضايا شديدة الحساسية، علماً أن استطلاعات الرأي تميل عادة إلى الاكتفاء بعدد أقلّ من الأسئلة عند تناول موضوعات مصيرية ومثيرة للانقسام. وقد صيغ عدد كبير من الأسئلة بطريقة فضفاضة ومفتوحة على تفسيرات متعدّدة، فيما أُجريت المقابلات وجاهياً مع المُستطلَعين في أماكن سكنهم، بينما جرى استطلاع أبناء أقضية بنت جبيل والنبطية ومرجعيون في أماكن نزوحهم في الشوف وعاليه وبيروت.

نُفّذ الاستطلاع بين 28 نيسان و5 أيار 2026، أي بعد ما سُمّي بوقف إطلاق النار، وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتعذّر عودة قسم من النازحين إلى قراهم، واستمرار الحملات السياسية والإعلامية المرتبطة بمستقبل السلاح والمقاومة والعلاقة مع إسرائيل، وتنظيم حملات التهويل من قوى سياسية ترى في العداون فرصة لتعديل موازين القوى الداخلية اللبنانية، وتهديدات بالإقصاء والترحيل للطائفة الشيعية ولكل المقاومين من مختلف الطوائف والأحزاب السياسية. وقد أوجدت هذه الظروف مناخاً من القلق وعدم اليقين لدى فئات واسعة من اللبنانيين، ولا سيما لدى النازحين والمتضرّرين مباشرة من الحرب.

إن مجمل هذه العوامل، المرتبطة بالاستطلاع ومنهجيته أو بالظروف الاجتماعية والسياسية والأمنية المحيطة به، تؤثّر بصورة مباشرة في النتائج، وتدعو إلى التعامل معها بحذر شديد. كما تدفع إلى التساؤل عن وظيفة هذا الاستطلاع في سياق الصراع السياسي القائم، خصوصاً في ضوء الاستنتاجات التي خلص إليها معدّوه، والتي اعتبرت أن النتائج «تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بمستقبل النظام السياسي والحزبي في لبنان، وبما إذا كانت الانقسامات الحالية ستبقى أسيرة الطوائف أم أنها قد تعيد إنتاج نفسها ضمن اصطفافات سياسية جديدة تتجاوز البنية التقليدية التي عرفها لبنان لعقود».

لن نتطرّق هنا إلى العينة وخصائصها التي تثير إشكاليات منهجية عديدة تؤثّر على صدقية النتائج، ونحيل القارئ إلى الدراسة التي نشرها أستاذ الديموغرافيا في الجامعة اللبنانية الدكتور شوقي عطية على موقع «180 بوست» (https://180post.com/archives/64761) والتي تناولت المشكلات المنهجية في العينة والدراسة، وكيف تمّت زيادة المسيحيين المُستطلَعين بنسبة 3.7% وتخفيض المسلمين بالنسبة ذاتها. وسنكتفي بالإشارة إلى عدد من النقاط الأساسية.

استبعد مُعِدّو الاستطلاع الفئة العمرية بين 18 و21 عاماً، رغم أنها فئة راشدة سياسياً وقانونياً وتشكّل جزءاً أساسياً من الرأي العام اللبناني. كما أنها جزء من الشريحة العمرية التي تشهد عالمياً تحوّلات باتجاه مواقف أكثر راديكالية من الحركة الصهيونية وإسرائيل. لذلك يبدو استبعادها غير مُبرّر منهجياً، وكان من شأن إدراجها أن يؤثّر في النتائج النهائية.

كذلك، تمّ تحديد العينة وتوزيعها على أساس اللبنانيين المُسجّلين في لوائح الشطب، وهي لوائح لا تعكس واقع المقيمين اللبنانيين طائفياً واجتماعياً. فإذا كان الهدف قياس رأي اللبنانيين المقيمين، فإن توزيع العينة على هذا الأساس يصبح موضع تساؤل. بل إن نسبة المسيحيين في العينة يجب أن نتخفض إلى 25%، بدلاً من زيادتها بنسبة 3.7% عمّا هي في لوائح المُسجّلين، الأمر الذي يطرح إشكالية إضافية حول مدى تمثيل العينة للواقع السكاني المقيم.

وتبرز مشكلة أخرى تتعلّق بعدد الأسئلة وطبيعتها. فالاستطلاع تضمّن 35 سؤالاً تناولت الحرب وإسرائيل والسلاح والمقاومة والسلام والتطبيع والثروات النفطية وإيران والسعودية وأميركا والجيش اللبناني والنظام السياسي. ويؤدّي هذا العدد الكبير من الأسئلة المتشعّبة إلى ما يُعرف في أدبيات استطلاعات الرأي بـ»إرهاق المستجيب» (Respondent Fatigue)، حيث يبدأ المستجيب تدريجياً بفقدان التركيز أو إعطاء إجابات أسرع وأقل دقة.

كما أن ترتيب الأسئلة ليس أمراً حيادياً. ففي علم استطلاعات الرأي يُعرف ما يُسمى بـ»تأثير التهيئة» (Priming Effect)، أي إن الأسئلة السابقة تؤثّر في الحالة الذهنية والنفسية للمستجيب، ثم في إجاباته اللاحقة. فعندما يُدفع المستجيب إلى استحضار الحرب والخوف والنزوح والانهيار، ثم يُسأل مباشرة عن التفاوض أو التطبيع أو السلام، فإن الإجابة تصبح متأثّرة بالسياق النفسي الذي صنعه الاستبيان نفسه، وليس فقط بقناعته السياسية.

ولا تقف الإشكالية عند هذا الحدّ، بل تمتدّ إلى طبيعة الأسئلة المطروحة. فعندما يُسأل المواطن مثلاً: «كيف تقيّم إدارة رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة للأزمة خلال فترة الحرب الأخيرة؟»، لا يُحدّد السؤال المقصود بالإدارة: هل هي إدارة الحرب؟ أم النزوح؟ أم الدبلوماسية؟ أم المفاوضات؟ أم الإغاثة؟ أم الاستقرار الداخلي؟ وبالتالي تصعب معرفة ما الذي يقيسه السؤال فعلياً، لأن كل مستجيب قد يفهمه بصورة مختلفة تبعاً لتقديره الخاص وموقعه السياسي والاجتماعي.

وفي القضايا المرتبطة بإسرائيل، تظهر الإشكالية بصورة أوضح. فعندما يُسأل المستجيب عن موقفه من «التفاوض المباشر» بين لبنان وإسرائيل، لا تُطرح عليه خيارات أخرى كالمفاوضات غير المباشرة أو الوساطة الدولية أو المفاوضات التقنية المتعلّقة بالحدود. كما لا يُسأل عن شروط التفاوض أو أهدافه، ما يجعله أمام خيارين متقابلين: القبول بالمفاوضات المباشرة أو رفضها. وهذا تبسيط مُفرط لقضية معقّدة ومتعددة المستويات.

وتكتسب نسبة الرفض التي بلغت 26% أهمية خاصة في هذا السياق، فهل رفضت الإجابة في منتصف المقابلة، بما يعني أنها رافضة لمنطق الاستطلاع جملة وتفصيلاً، وهي تشكّل ربع العينة. فالرافضون ليسوا فراغاً إحصائياً، بل قد يكونون الفئة الأكثر خوفاً أو تشكّكاً أو اعتراضاً على مضمون الاستطلاع نفسه. كما أن عدم تحليل خصائصهم أو أسباب رفضهم المشاركةَ يجعل من الصعب معرفة مدى اختلافهم عن المستجيبين. وفي أدبيات استطلاعات الرأي، يشكّل «تحيز عدم الاستجابة» (Non-response Bias) أحد أخطر مصادر الخطأ المنهجي، لأنه يعني أن النتائج النهائية تعكس مواقف الذين وافقوا على الإجابة أكثر مما تعكس مواقف المجتمع ككل، وإن تمّ احتساب الرافضين فإن النتائج ستتغيّر حكماً.

ويعيد هذا الاستطلاع طرح سؤال منهجي أساسي: إلى أي مدى يمكن الحصول على إجابات صادقة ومستقرة في ظل الحرب والتهجير والخوف والتهديد بالإقصاء وعدم اليقين؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً تقنياً، بل جوهري لأن الاستطلاع نفسه ينطلق من فرضية أن الحرب والتعب الجماعي والخوف وانعدام الثقة بالمستقبل عوامل تعيد تشكيل المواقف السياسية. والمشكلة ليست في الإقرار بتأثير هذه العوامل، بل في اعتبار النتائج دليلاً كافياً على تحوّلات سياسية بنيوية مستقرة من دون مناقشة مدى دقّتها، إلى جانب أثر الظروف التي أُنتجت فيها.

ففي القضايا الحساسة المرتبطة بإسرائيل والسلاح والحرب والمقاومة والانقسامات السياسية، لا يمكن التعامل مع الإجابات بوصفها انعكاساً مباشراً للقناعات السياسية، إذ تؤكد أدبيات علم استطلاعات الرأي وعلم النفس الاجتماعي أن المواقف المُعلنة في ظروف الخوف والصدمة والحروب تتأثّر بمجموعة واسعة من الضغوط النفسية والاجتماعية.

وقد أظهر روبرت غروفز، أحد أبرز المتخصّصين في منهجيات استطلاعات الرأي، أن أخطاء الاستطلاعات لا ترتبط فقط بحجم العينة، بل أيضاً بتحيّز عدم الاستجابة، وطريقة اختيار المستجيبين، وصياغة الأسئلة، وتأثير الظروف المحيطة بالمقابلة. واللافت أن مُعِدّي الاستطلاع لم يتوقفوا عند هذه المحاذير المنهجية والنفسية، ولم يطرحوا احتمال أن تكون الإجابات متأثّرة بالخوف أو الصدمة أو اختلال ميزان القوة داخل المجتمع.

لهذا كله، لا تبدو المشكلة في إجراء استطلاع حول قضايا حساسة، فهذا حق طبيعي لأي مؤسسة بحثية، بل في تحويل نتائج استطلاع أُجري في ظروف حرب وخوف وتهجير واختلال في موازين القوة داخل المجتمع، وبأسئلة وإطارات تحليلية تثير الكثير من التساؤلات، إلى استنتاجات كبرى حول تحوّلات عميقة ومستقرة في الرأي العام اللبناني.
فالاستطلاعات، مهما بلغت دقّتها، تبقى أداة لقياس المزاج العام في لحظة زمنية محدّدة، لا مرآة نهائية للحقيقة الاجتماعية والسياسية. وفي مجتمع مأزوم ومنقسم كالمجتمع اللبناني، يصبح الحذر العلمي ضرورة لا ترفاً أكاديمياً.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد