ابراهيم مصطفى (صحيفة البناء)
إنّ الاعتقاد بأنّ الدول، مهما كان حجمها أو نفوذها، يمكنها خوض غمار التفاوض الدولي منفردة والنجاح في انتزاع حقوقها دون شبكة دعم، يُعدّ مغالطة استراتيجية كبرى في عالم لا يعترف إلا بموازين القوى وتوازنات المصالح. فالدبلوماسية ليست مجرد محادثات بروتوكولية تجري في العلن، بل هي معركة حقيقية تُدار في أروقة مغلقة، حيث غالباً ما يتمّ تجاهل الطرف الذي لا يملك “ظهيراً” يحميه أو حلفاء يوصلون صوته إلى مراكز القرار العالمي.
إنّ العزلة الدبلوماسية هي الخطر الأكبر الذي يواجه أيّ دولة في لحظات الأزمات الوجودية، إذ يسهل حينها على القوى الكبرى صياغة قرارات تخدم مصالحها على حساب سيادة تلك الدولة، وتحويل مطالبها العادلة إلى نصوص فضفاضة تحتمل التأويل أو الانتقاص.
بيد أنَّ هذا التحليل يظلّ ناقصاً ما لم نعد إلى المربع الأول؛ الركيزة التي يستند إليها كلُّ بناءٍ سياسي. إنَّ أهمَّ قوة ضغط في المفاوضات الدولية ليست فقط في ما يقدّمه الحلفاء، بل في تلك القوة الكامنة في إرادة الشعوب، بما تملكه من قدرةٍ صلبة على المقاومة، وتمسكٍ لا يلين بالسيادة. فالشعبُ الذي يرفض الانكسار ويجعل من صموده بوصلةً لموقف دولته، هو وحده من يمنح الدبلوماسيين أوراق القوة الحقيقية على طاولة التفاوض. إنَّ الشبكة الخارجية لا تُنسج إلا على نولٍ داخليٍّ متين، والقرارُ المستقلُّ لا يجدُ صداه في المحافل الدولية ما لم يكن ممهوراً بتضحيات الناس وإيمانهم بحقوقهم.
وعلى النقيض من الشعارات التي قد تُرفع حول الاستقلالية المطلقة في القرار، تظهر التجارب التاريخية للدول المتوسطة أنّ النجاح في المفاوضات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدولة على حشد أصدقائها وتفعيل شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية؛ فالتاريخ “يزخر” بالنماذج التي أثبتت أنّ الحضور في المحافل الدولية دون وجود حلفاء يمارسون الضغط اللازم، أو يقدّمون تغطية سياسية تعزز الموقف التفاوضي، يترك الدولة لقمة سائغة في مواجهة ضغوط دولية قد لا تكون رحيمة بطموحاتها الوطنية. هنا، يبرز دور التحالفات ليس كقيد على السيادة، بل كأداة ضرورية لحمايتها، فالدولة التي تعزل نفسها عن محيطها الإقليمي وعن أصدقائها في المجتمع الدولي تفقد صوتها القدرة على التأثير، وتجد نفسها مجبرة على القبول بتسويات فُرضت عليها بدلاً من أن تشارك في صياغتها.
إنّ جوهر القوة في السياسة الدولية يكمن في القدرة على بناء جسور التواصل التي تمنع الاستفراد، وتضمن أن تظلّ المصلحة الوطنية حاضرة في صلب النقاشات الكبرى، وهذا لا يتحقق إلا بتلاحم الجبهة الداخلية مع التحركات الخارجية. إنّ التخلي عن هذه الشبكة هو تخلي عن خط الدفاع الأول، فالعالم الذي تتحكم فيه المصالح يفرض على الجميع الانخراط في “بازار” السياسة، ومن لا يملك خلفه قوة داعمة أو حلفاء يدافعون عن موقفه، يجد نفسه غالباً أمام خيارات صعبة لا بديل لها. لذا، تصبح الدبلوماسية الذكية هي تلك التي تدرك أنّ السيادة ليست في الانكفاء على الذات، بل في القدرة على إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلفاء، والحفاظ على شراكات استراتيجية تجعل من الموقف الوطني جزءاً لا يتجزأ من معادلة دولية أوسع، تضمن حماية الحقوق وتحصين الدولة من رياح التهميش التي لا ترحم من يختار العزلة طريقاً له.