خضر حسان (صحيفة المدن)
بعد عام من تقديم الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس عرضاً لرئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون، يتضمّن استعداد قبرص لتزويد لبنان بالكهرباء عبر كابل بحري، أعلن وزير الطاقة والمياه جو الصدي ونظيره القبرصي مايكل داميانوس، اليوم الخميس، إطلاق دراسة تقييم لمشروع الربط الكهربائي بين البلدين، بدعم من البنك الدولي، وذلك إثر طلب مقدّم من حكومتي قبرص ولبنان. فهل يعني ذلك إطلاق مسار حلّ أزمة الكهرباء في لبنان أم أنّنا نتّجه نحو مستنقع جديد من المشاريع التي لا تنسجم مع الواقع؟.
أهمية المشروع
يحتاج لبنان إلى خطوة نوعية في ملف الكهرباء تغيّر واقع تدهور القطاع وتقدّم للمستهلكين كهرباء منتظمة وبساعات تغذية طويلة وبكلفة مناسبة. ولتحقيق هذا الغرض، تعمل وزارة الطاقة وبإشراف الهيئة الناظمة للكهرباء على وضع المشاريع المناسبة، ومنها مشروع الربط الكهربائي بين لبنان وقبرص.
على أنّ إنجاز المشروع يتطلّب إجراء دراسة، وافق البنك الدولي على إعدادها، وتنطلق من "تقييم التوازن بين العرض والطلب على الكهرباء، وإجراء تحليل اقتصادي أولي عالي المستوى". وبحسب البيان المشترك الذي أعلن بالتزامن بين لبنان وقبرص: "إذا جاءت نتائج المرحلة الأولى إيجابية، فستُجرى دراسة جدوى أولية أكثر تفصيلاً من الناحيتين الفنية والاقتصادية". على أنّ القرارات في كل مرحلة "ستتخذ استناداً إلى بيانات فنية واقتصادية موثوقة". وللإشراف على تنفيذ الدراسة، سينشئ لبنان وقبرص "لجنة توجيهية فنية مشتركة تعمل بالتعاون مع البنك الدولي طوال فترة إعداد الدراسة".
استناداً إلى الخطوة الأولى المتمثّلة بإطلاق الدراسة، رأى عضو الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، دانيال جحا، أنّ لمشروع الربط "أهمية استراتيجية. إذ إنّ الدول التي يكون فيها ربط كهربائي مع دول أخرى، تصبح غير معزولة، ويمكنها شراء الكهرباء عند حدوث نقص لديها، ويمكنها بيع الكهرباء عند تحقيق فائض في الإنتاج. وكذلك يكون لديها مصدر آخر عند حصول أعطال كبيرة في المحطات الداخلية". وأوضح جحا في حديث لـ"المدن" أنّ أهمية المشروع تنطلق من كونه "سيمتد إلى ما بين 5 و7 سنوات، أي أنه تخطيط للمستقبل وليس للغد فقط. كما أنّ الربط مع قبرص يعني ولوج لبنان إلى الشبكة الأوروبية، ويمكن في المستقبل بيع فائض الإنتاج اللبناني على الشبكة الأوروبية، واستجرار كهرباء بسعر منخفض في أوقات فائض الإنتاج على الطرف الآخر".
وعند دخول المشروع حيّز التنفيذ، سيتم الربط "مع معمل دير عمار. وسيتيح الربط حصول لبنان على 500 ميغاوات تعطي من 4 إلى 6 ساعات يومياً". وبحسب جحا، ستتيح نتيجة الدراسة لاحقاً، فتح الباب أمام البحث عن مموّلين لمرحلة التنفيذ "ومن الممكن أن يكون التمويل عبر الاتحاد الأوروبي أو جهات أخرى قد توافق على التمويل بعد الاطلاع على دراسة الجدوى الاقتصادية".
عقبات أساسية
رغم الأهمية المرسومة نظرياً للمشروع، يبقى الواقع هو المقياس الأبرز للحكم على النجاح أو الفشل. وواقع قطاع الطاقة اللبناني كفيل بقتل أي حلم في مهده. وأولى العقبات تتعلّق بالتمويل، بدءاً من تمويل المشروع في حال أفضت دراسة البنك الدولي إلى توصية بالتنفيذ. فمؤسسة كهرباء لبنان وخزينة الدولة لا يستطيعان تمويل مشروع بهذا الحجم، ما يوجب الانتقال نحو الاقتراض. في الوقت عينه، سيؤدي ترهّل شبكة النقل والتوزيع إلى خسائر فنية وغير فنية وإلى الكثير من الأعطال، مما يقلل حجم الاستفادة من الكهرباء التي ستصل من قبرص. أيضاً، فإنّ ارتفاع كلفة المشروع، يطرح التساؤلات حول جدواه الاقتصادية، لا سيّما وأنّ التقديرات تشير إلى أنّ الكلفة قد تتجاوز الـ2 مليار دولار.
وأبعد من ذلك، فإنّ عدم الاستقرار السياسي والأمني في لبنان والمنطقة، يرفع احتمالات الإضرار بخط الربط وازدياد الأعطال وارتفاع أكلاف التأمين وغير ذلك من الأمور المرتبطة بالمشروع. وكذلك، فإنّ الفترة الزمنية بعيدة المدى للمشروع، والمفترض أنّ تلبّي الحاجة لفترة لا تقلّ عن 20 سنة، تحيل إلى تغيّر حجم الطلب على الكهرباء في لبنان، فضلاً عن تأثيرات إطلاق مشاريع إنتاج كهرباء تعتمد على الهواء والطاقة الشمسية بالإضافة إلى الغاز، مما قد يقلّل جدوى الاعتماد على الاستجرار من قبرص.
ومن هنا، وصفَ مصدر خبير في قطاع الكهرباء، المشروع على أنه "مضيعة للوقت، بدلاً من كونه يضع الكهرباء بيد دولة قد نختلف معها سياسياً، ويجعلها عرضة للأحداث الأمنية. وهذا الخطر، يجعل مشروع الربط أكثر كلفة من الناحية المالية والأمنية".
وبالتالي، تساءل المصدر في حديث لـ"المدن" حول الجهة المستعدة لتمويل مشروع بهذه المخاطر "وبحسب الواقع المالي لمؤسسة كهرباء لبنان والخزينة العامة، لا يمكن لأحد ضمان استرداد الأموال المستثمّرة في المشروع، وهل يستطيع البنك الدولي ضمان استردادها لأي مستثمر سيموِّله". ولذلك، رأى المصدر أنّه "يجب تأمين مصادر مستدامة للكهرباء تحت سلطة الدولة ومؤسسة الكهرباء وخاضعة لرقابة الهيئة الناظمة للقطاع، لجهة النوعية والتعرفة". ولفت المصدر إلى أنّ "شروط نجاح أي مشروع في مجال الكهرباء يجب أن تنطلق من أفضليات على رأسها سرعة التنفيذ وتمويل أقل وتعرفة أقل على المواطنين، ومن بين هذه العناصر، ما المتوفّر اليوم لمشروع الربط مع قبرص؟". وبالتالي، فإنّ هذا المشروع، ووفق الأرضية الموجودة اليوم في قطاع الكهرباء وما يحيط بلبنان والمنطقة من أزمات "يبقى مجرّد تصوّرات وأحلام غير موضوعية. فلا يمكن لوزارة الطاقة والدولة اللبنانية ومؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة للقطاع، جعل الناس ينتظرون حلّ المشاكل المرتبطة بالقطاع والأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، لتوفير الكهرباء لهم".
البحث في الأولويات
الربط الكهربائي مع قبرص هو حلّ بعيد الأمد ويتطلّب معالجة العديد من الإشكالات القانونية والفنية والمالية والسياسية والأمنية وغيرها. ولذلك، اعتبر المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة، ومحلل سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون، أنّ "المشاريع بعيدة المدى تحتاج إلى دراسات معمّقة من قِبَل الهيئة الناظمة، التي نأمل منها خيراً". ومع ذلك، اعتبر بيضون في حديث لـ"المدن" أنّ المسألة لا تتعلّق بكفاءة أعضاء الهيئة الناظمة، وإنما بـ"ضرورة البدء بمشاريع سريعة تقلّل ما يدفعه المواطن وتحسّن من الفوضى العارمة في مجال الفوترة والجباية، وهي أمور لا يمكن تأجيلها لحين إنجاز مشاريع الربط الكهربائي مع قبرص أو استجرار الغاز من مصر وغيرها". كما أنّ الجانب القانوني المتعلّق بقانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان "لا يجيز الحصول على طاقة وتوزيعها على المشتركين إلا من معامل تملكها المؤسسة أو عبر امتيازات قانونية". وأكّد بيضون أنّ السياق القانوني يجب أن يرعى "تطوير القانون ليتناسب مع مرحلة تسليم التوزيع للقطاع الخاص، إلى جانب تقسيم المناطق لتسهيل استثمار القطاع الخاص".
في المحصّلة، لا يمكن إسقاط الأفكار والتصورات المأخوذة من دول الخارج على الواقع اللبناني، خصوصاً وأنّ التجارب في الخارج تنطوي على تنافس جدّي بين الشركات، وعلى وضوح العلاقة بين الدولة والشركات، في حين أنّ التحديات في لبنان تطال الحروب وغياب التمويل وغياب الإصلاح وضعف الشبكة وتغلغل الفساد في إدارات ومؤسسات الدولة بصورة يستحيل على المهندسين الذين ينطلقون من تجاربهم الخاصة في مؤسسات دولية، حلّ المعضلة اللبنانية بخبرات تقنية فقط. وبذلك، فإنّ الإيجابيات المرسومة لمشروع الربط الكهربائي قد تتحوّل إلى مستنقع جديد من مستنقعات المشاريع المعلّقة بحبال المجهول أو بقروض مرهقة يستحيل سدادها.