حمزة الخنسا (صحيفة الأخبار)
مع بدء الحديث عن مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي برعاية أميركية، حرصت سلطة الوصاية في لبنان على رفع سقفها السياسي والإعلامي، معلنة أن أي مسار تفاوضي لن يكون ممكناً قبل تنفيذ العدو الإسرائيلي التزاماته، وفي مقدمها الانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات. إلا أن الأشهر الماضية أظهرت مساراً معاكساً، انتهى بتراجع متدرج عن معظم الشروط التي رُفعت تباعاً، فيما بقي العدو يفاوض من موقع الممسك بأوراق القوة، من دون أن يقدم أي خطوة ميدانية توازي حجم التنازلات اللبنانية.
في البداية، كان الموقف الرسمي واضحاً لجهة رفض الانتقال إلى مفاوضات مباشرة قبل استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، على قاعدة أن تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار مدخل إلزامي لأي بحث سياسي لاحق. كما شددت السلطة على أن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية لا يمكن أن يحظى بموافقة لبنان، وأن وقف الاعتداءات الإسرائيلية يشكل شرطاً أساسياً لاستمرار أي مسار تفاوضي.
لكن هذه السقوف بدأت تتهاوى تباعاً. فقد استمرت الجولات التفاوضية فيما بقي العدو الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وتحول الانسحاب من شرط يسبق التفاوض إلى بند يخضع له. وبعد ذلك، قبلت سلطة الوصاية باتفاق إطار لم يفرض على إسرائيل انسحاباً كاملاً أو فورياً، ولم يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً لإنهاء الاحتلال، بل ربط الانسحاب بترتيبات أمنية متدرجة وبالتزامات مطلوبة من الجانب اللبناني.
ولم يقتصر الأمر على ملف الانسحاب. فالسطة التي تحدثت عن وقف الاعتداءات وعودة النازحين وإطلاق الأسرى كعناصر أساسية في أي تفاهم، قبلت عملياً بإرجاء هذه الملفات إلى مراحل لاحقة، لتصبح بنوداً تفاوضية بدلاً من أن تكون شروطاً مسبقة. كذلك، انتقل الخطاب الرسمي من الحديث عن ترتيبات أمنية محدودة إلى قبول اتفاق إطار يتضمن عناوين سياسية أوسع، من بينها إنهاء حال الحرب والاعتراف المتبادل بالسيادة، مع الإصرار في الوقت نفسه على نفي وجود أي مسار تطبيعي.
غير أن المحطة الأكثر دلالة جاءت عشية الجولة الأخيرة من المفاوضات في روما. فقبل أيام من انعقادها، سرّبت سلطة الوصاية، عبر وسائل إعلام قريبة منها ومصادر دبلوماسية، أنها لن تشارك في الاجتماع ما لم ينفذ العدو انسحاباً من منطقتين تجريبيتين وتسلمهما إلى الجيش اللبناني، باعتبار ذلك اختباراً أولياً لصدقية التزامها بما تم الاتفاق عليه. وسرعان ما تحوّل هذا الشرط إلى مادة سياسية وإعلامية قُدمت باعتبارها موقفاً لبنانياً حاسماً.
لكن ما إن تصاعد الضغط الأميركي حتى اختفى الشرط من التداول. إذ شارك الوفد اللبناني في محادثات روما من دون أن يكون العدو قد نفذ الانسحاب الذي اشترطه لبنان، ومن دون أن يقدم أي خطوة ميدانية جديدة، الأمر الذي أعاد طرح سؤال أساسي حول جدوى رفع شروط تعرف الحكومة مسبقاً أنها ستتراجع عنها.
وتعتبر أوساط سياسية أن ما جرى في ملف روما يأتي في سياق نمط تكرر أكثر من مرة منذ بدء المفاوضات يقوم على رفع سقف تفاوضي في الإعلام، ثم سحبه عند أول اختبار أميركي، بما يمنح العدو مكاسب مجانية ويضعف الموقع اللبناني على طاولة التفاوض. وبحسب هذه الأوساط، فإن المشكلة لا تكمن فقط في التراجع عن الشروط، بل في تحويلها إلى أدوات للاستهلاك الداخلي، قبل التخلي عنها من دون أي مقابل سياسي أو ميداني.
ويُختصر مسار الأشهر الماضية هذا التحول بثلاث محطات أساسية، أولها إسقاط شرط الانسحاب الإسرائيلي قبل إطلاق المفاوضات، وثانيها القبول باتفاق إطار لا يضمن انسحاباً كاملاً أو جدولاً زمنياً ملزماً لإنهائه، وثالثها التراجع عن شرط الانسحاب من منطقتين تجريبيتين قبل المشاركة في جولة روما، رغم تقديمه قبل أيام باعتباره شرطاً لا يمكن التراجع عنه.
وفيما لم ينفذ العدو الإسرائيلي أياً من الالتزامات التي طالبت بها بيروت قبل الانتقال إلى الجولة الجديدة من التفاوض، يتعزز الانطباع بأن الضغوط الأميركية هي، مرة تلو أخرى، العامل الحاسم في تعديل الموقف اللبناني، ولا تغيّر شيئاً في السلوك الإسرائيلي.