فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
طالما دار جدل متجذر، في كيان الاحتلال الصهيوني، في هوية الجندي النموذجي في الجيش: هل هو ذلك الشاب العلماني القادم من الكيبوتس ابن المؤسسين الاشتراكيين الذين رفعوا راية "دولة اليهود"، بوصفها مشروعًا قوميًا لا دينيًا؟ أم هو المتدين الصهيوني المتشرب بخطاب "أرض الميعاد" والتوراة مرجعية للحرب والسلم معًا؟
منذ عقود طويلة، كان الجواب الرسمي واضحًا: الجيش الإسرائيلي جيش "الشعب"، تذوب فيه الهويات الفرعية تحت لواء "الدولة". غير أن المعطيات الميدانية وخطابات القيادة، في الحرب الأخيرة على غزة، تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن التدين صار اليوم الهوية الأكثر حضورًا وهيمنةً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حتى تحوّل من طقس شخصي إلى عقيدة قتالية تحكم أهداف الحرب ومآلاتها.
التحول التاريخي.. من الكيبوتس إلى المعهد الديني
في حربي 1948 و1967، كانت صورة جيش الاحتلال تعكس أيديولوجيا مؤسسيه العلمانيين. الضباط المنتصرون، في تلك الحرو،ب أمثال موشيه ديان ويغئال ألون، جاؤوا من كيبوتسات اشتراكية وحملوا هوية صهيونية علمانية. كان عدد الضباط المتدينيين في المشاة لا يتجاوز 2.5 بالمئة، في العام 1990، وفقًا لدراسة نشرتها مجلة "معراخوت" العسكرية الإسرائيلية. لكن منذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت خريطة الجيش تتحول جذريًا.
أطلقت الصهيونية الدينية مشروعًا ممنهجًا لاختراق المؤسسة العسكرية من الداخل، تجسّد في توسيع برامج "يشيفات هسدر" (المعاهد الدينية-العسكرية)، والتي تجمع بين الدراسة الدينية والخدمة القتالية، وفي إنشاء المعاهد التحضيرية للجيش، مثل معهد «عتصيون» الذي أسسه الحاخام إيلي سدان لتخريج ضباط متدينين من الطراز الأول. أفضت هذه السياسة إلى قفزة نوعية لافتة: ففي العام 2007، ارتفعت نسبة ضباط المشاة المتدينين إلى 31.4 بالمئة، أي ما يمثل تضاعفًا عشرة أضعاف خلال سبعة عشر عامًا، وفقًا لما وثّقته صحيفة "هآرتس" في تقرير استقصائي نشرته، في العام 2010. وبحلول العام 2015، كان المسؤولون العسكريون يُقرّون علنًا بأن الصهيونية الدينية باتت القوة المحركة الرئيسة للتجنيد في الوحدات القتالية النخبوية.
دور مرحلة نتنياهو.. تديين الخطاب الوجودي
منذ عودته إلى رئاسة الحكومة، في العام 2009، وعلى امتداد سنوات حكمه، رسّخ بنيامين نتنياهو نهجًا ثابتًا يقوم على استحضار المرجعية الدينية لتسويغ السياسات الأمنية وتأطير الصراع بوصفه معركة وجودية ذات بُعد إلهي. لم يكن هذا توظيفًا انتخابيًا عابرًا، لقد تحوّل تدريجيًا إلى لغة رسمية تهيمن على خطاب "الدولة العبرية".
بلغ هذا التوجه ذروته، في الأسابيع التي تلت السّابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. في خطابه الموجّه للجنود، في الخامس والعشين من الشهر ذاته، صاغ نتنياهو الحرب في قوالب ثنائية مباشرة مستوحاة من الموروث الديني قائلًا: "نحن شعب النور، وهم شعب الظلام، والنور سينتصر على الظلام"، مضيفًا: "سنحقق نبوءة إشعياء: لن تُسمع بعد الآن أصوات الدمار والخراب في أرضك".
بعد ثلاثة أيام، في الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، مع انطلاق العملية البرية في غزة، تحوّل الخطاب إلى توجيه قتالي صريح حين قال للجنود: "تذكّروا ما فعله العماليق بكم يقول كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ونحن نقاتل". كما استُشهد بهذا الخطاب صراحةً في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضمن ملف الإبادة الجماعية.
لم تقتصر سياسة تديين المؤسسة العسكرية على الخطاب، امتدت أيضًا إلى التعيينات والهياكل التنظيمية. إذ منذ العام 2009، شهدت الحاخامية العسكرية توسعًا في صلاحياتها ونفوذها وتعيين حاخامات ذوي توجهات متشددة في قيادة الوحدات القتالية. يُشير تقرير مجلة "فورورد" الأمريكية في أكتوبر/تشرين الول 2024، إلى أن ضباط تيار "حردل" (الديني-الحريدي) يهيمنون اليوم على مواقع جوهرية في الحاخامية العسكرية.
من مظاهر التدين في حرب غزة.. توثيق ميداني :
1. الصلوات الجماعية ولفائف التوراة في الميدان: وثّقت تقارير متعددة صادرة عن صحف إسرائيلية انتشار ظاهرة الصلوات الجماعية وتلاوة المزامير قبيل اقتحامات غزة. كما سجّلت لقطات نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد جنود يرقصون ويتغنّون بالأناشيد الدينية عند مداخل القطاع. في حادثة لافتة في ديسمبر/كانون الأول 2023، نشر جنود مقاطع مصورة وهم يؤدون صلوات يهودية داخل مسجد في جنين، ما أفضى إلى توقيفهم مؤقتًا عن الخدمة.
2. الشعارات الدينية على معدات القتال: رصدت تقارير وكالة الصحافة الفرنسية ومنظمة "بتسيلم" الحقوقية كتابات وشعارات على الدبابات والخوذ ومركبات القتال تشمل: "نتساح" (انتصار)، و"عام يسرائيل حاي" (شعب إسرائيل حي)، فضلًا عن آيات من سفر يشوع مرتبطة بغزو كنعان. تعكس هذه الشعارات قراءة دينية للمعركة تتجاوز الأبعاد الدفاعية المُعلنة.
3. شهادات الدوافع الدينية: كشفت مقابلات متعددة نشرتها "هآرتس" و"+972 ماغازين" جنودًا يصفون دوافعهم للقتال بمصطلحات دينية صريحة. كما نقلت مجلة "فورورد" في أكتوبر/تشرين الأول 2024 عن قائد سرية في كتيبة "نتساح يهودا" قوله إن الجنود "يصرّون على القتال وعلى إحداث الفارق"، مضيفًا:"المتدينون يبدو أنهم يتعاملون مع الخسائر بصورة أفضل، إذ يقبلون الفقد ولا يشكّكون في مشروعية العملية".
4. الكتائب الدينية في قلب المعركة: تُجسّد كتيبة "نتساح يهودا" (الكتيبة 97)، في لواء كفير، النموذجَ الأكثر دلالة على هذا التحول. أُسست، في العام 1999، بثلاثين جنديًا، لتتحول إلى كيان مستقل يضم آلاف المقاتلين. شاركت الكتيبة في عمليات خان يونس وبيت حانون وجباليا وسواها، في حين كشف تحقيق لشبكة CNN، في يوليو/حزيران 2024، أن عناصرها يتولّون تدريب قوات برية إسرائيلية وإدارة عمليات داخل غزة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي رسميًا تأسيس "لواء الحشمونائيم" المخصص للجنود الحريديم، بطاقة استيعاب تبلغ نحو أربعة آلاف جندي.
من الطقس الشخصي إلى العقيدة العدائية
لعل أخطر ما يكشفه هذا التحول هو تحوّل التديّن من ممارسة شخصية طوعية إلى عقيدة؛ تؤطّر أهداف الحرب، وتُلقي ظلالها على الممارسات الميدانية. حين يستحضر وزير الحرب السابق "يوآف غالانت"، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مصطلح "بذرة عماليق" ويُطلق على سكان غزة وصف "حيوانات بشرية"، وحين يتردد الخطاب نفسه على لسان المنسق العسكري للشؤون الحكومية في المناطق الجنرال غسان عليان، فإن الحد الفاصل بين التأطير الديني المجازي والتوجيه القتالي الفعلي يغدو بالغ الضبابية.
كما وثّقت تقارير منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية ومركز "الميزان" لحقوق الإنسان في غزة ممارسات ميدانية وصفاها بانتهاك قواعد الاشتباك المتعارف عليها دوليًا، فيما أوصت وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل/نيسان 2024 بفرض عقوبات على كتيبة "نتساح يهودا"، بموجب "قانون ليهي" المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية. أما ظاهرة الهاردال" (المزيج بين الصهيونية الدينية والحريدية) في صفوف الضباط، فتتجاوز المسألة العقدية لتطرح إشكاليات مؤسسية عميقة. يُشير تقرير "فورورد" إلى أن هؤلاء الضباط يدفعون نحو تبني رواية "أرض إسرائيل الكاملة" هدفًا استراتيجيًا. وثّقت العسكرية الإسرائيلية أن نسبة المستوطنين، في دورات قادة السرايا والكتائب، بلغت 16 بالمئة، أي أربعة أضعاف نسبتهم السكانية.
جيش عقدي في صراع وجودي
الجيش الذي سوّق نفسه، على مدى عدة عقود، بوصفه "جيش الشعب" العلماني، المؤسسة الوطنية الجامعة التي تذوب فيها الفوارق الهوياتية، يواجه اليوم حقيقة تحوّل بنيوي لا يمكن إنكاره. إذ إن صعود الضباط الدينيين من 2.5 بالمئة إلى ما يزيد على 30 بالمئة في المشاة، وتكاثر الكتائب الدينية والمعاهد الدينية-العسكرية، وتوسيع صلاحيات الحاخامية العسكرية، وسيطرة «الهاردال» على مواقع قيادية حساسة، وتأطير نتنياهو للحرب بلغة توراتية.. هذا كله يرسم صورة تحوّل جوهري أيديولوجي في الجيش، من المؤسسية العلمانية إلى العقيدة الدينية.

هذا التحول له عواقب. إذ حين تُصاغ الحرب بوصفها معركة بين "أبناء النور وأبناء الظلام"، وحين يُستحضر "عماليق" في إطار تفسيري للعدو، فإن منطق الصراع ذاته يتبدّل.. إذ إضافة إلى أن حرب الحدود تدار بالمنطق الديني الوجودي، هي في بعدها الأول تُشنّ حربًا للإبادة. هذا ما يُفسّر جزئيًا شراسة الحرب على غزة وطول أمدها وحجم الدمار غير المسبوق الذي خلّفته؛ لأن من يقاتل بعقيدة لا يقبل تسويات، ومن يرى في خصمه "بذرة عماليق" لا يجد جدوى في التفاوض معه.
جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يَعُد فقط آلةً عسكرية في خدمة دولة، لقد بات في جوهره الأيديولوجي الفعلي امتدادًا لمشروع ديني، يرى في هذه الأرض وعدًا إلهيًا لا يقبل المشاركة.
المصادر والمراجع
1. خطاب نتنياهو، 25 أكتوبر 2023: «نحن شعب النور وهم شعب الظلام» — نقلًا عن i24NEWS العبرية.
2. خطاب نتنياهو للجنود، 28 أكتوبر 2023: «تذكّروا ما فعله عماليق» — عند انطلاق العملية البرية في غزة.
3. رسالة نتنياهو للجنود، 3 نوفمبر 2023 — المستشهد بها في وثائق جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
4. تصريحات وزير الدفاع يوآف غالانت ومنسق كوغات الجنرال غسان عليان، أكتوبر 2023.
5. مجلة «معراخوت» — وزارة الدفاع الإسرائيلية: دراسة التدين في ضباط المشاة 1990-2008.
6. معهد دراسات الأمن القومي (INSS): تقرير «التجنيد الحريدي في الجيش»، أبريل 2023.
7. معهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI): مؤتمر المجتمع المشترك، ديسمبر 2024.
8. Haaretz: «ارتفاع حاد في عدد الضباط الدينيين في جيش الدفاع»، 14 سبتمبر 2010.
9. Haaretz: «على الرغم من الوعود، وسّع الجيش نشاطه الديني»، 17 يوليو 2018.
10. Ynet News: «الجيش يصارع التأثير المتزايد للصهيونيين الدينيين»، مارس 2016.
11. Forward / +972 Magazine: «مجموعة صهيونية دينية قومية تُضخّم صفوف الجيش»، أكتوبر 2024.
12. Tablet Magazine: «اللاهوت السياسي الإسرائيلي الجديد»، فبراير 2026.
13. The Christian Science Monitor: «في جيش إسرائيل، الضباط أصبحوا أكثر تدينًا»، أبريل 2015.
14. The Times of Israel: «مع ارتفاع خسائر الجنود الدينيين، يتصاعد الاستياء من إعفاء الحريديم»، نوفمبر 2024.
15. CNN: تحقيق حول دور كتيبة نتساح يهودا في عمليات غزة، يوليو 2024.
16. وثائق جنوب أفريقيا المقدّمة إلى محكمة العدل الدولية — ملف الإبادة الجماعية، يناير 2024.
17. منظمة بتسيلم الإسرائيلية: تقارير الانتهاكات الميدانية 2023-2024.
18. مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة: توثيق الانتهاكات.
19. توصية وزارة الخارجية الأمريكية بعقوبات على كتيبة نتساح يهودا (قانون ليهي)، أبريل 2024 — نقلًا عن Axios.